نجحت إيران، عبر 36 سنة من الجهود المستمرة لتصدير الثورة، والغزو الإعلامي المكثف للمنطقة العربية، وتحت شعارات «مقاومة إسرائيل» ومحاربة «الاستكبار» العالمي، ونصرة المظلومين، ومواجهة أميركا والغرب.. وعبر تسخير الموارد المالية الضخمة، في إنشاء ودعم مراكز إعلامية متعددة: 125 قناة ووسيلة إعلامية موجهة في معظمها للعرب، استطاعت استقطاب وتجنيد جيش من الإعلاميين والكتاب والمفكرين العرب، من مختلفي المشارب السياسية والثقافية والدينية، سخروا أقلامهم وألسنتهم للدفاع عن إيران وتبرير مشاريعها السياسية والطائفية في المنطقة. هؤلاء المجندون إعلامياً لخدمة الطموحات الإيرانية التوسعية في المنطقة، سموا بـ«اللوبي الإيراني» العربي، في المنطقة. وفي مقابل ذلك لم يبذل الخليجيون أي جهد ولم يستثمروا أي موارد، في اصطناع «لوبي عربي» في إيران، لم ينشئوا قنوات فضائية تخاطب الإيرانيين بلغتهم، لم تهتم المراكز البحثية الخليجية بدراسة إيران، دراسة تفصيلية: خريطتها السياسية والدينية والعرقية والمذهبية. لم يهتم الخليجيون بترجمة ما يصدر في الساحة الإيرانية من مؤلفات ومقالات ودراسات إلى اللغة العربية، بل لا زالت معظم الكتب والصحف الإيرانية لا تدخل السوق الخليجية، ولا زلنا نرسل سفراء وديبلوماسيين إلى إيران، وهم لم يدرسوا تاريخ وثقافة إيران ولا جغرافيتها السياسية ولا كيف يتخذ القرار السياسي الإيراني، فضلا عن عدم معرفتهم باللغة الفارسية. وبالمقابل: انظر كيف درست إيران خريطة المنطقة، عللها ومشاكلها وثغراتها، فهي ترسل من يجيدون العربية ويحسنون التواصل مع الكتاب العرب والخليجيين، يترجمون جميع ما يصدر عندنا. إيران تعرفنا ونحن لا نعرفها، فكيف لا تنجح في اصطناع «لوبي إيراني» في بيتنا، تزوده بكتبها ونشراتها، تدعوه لزيارتها وإلقاء محاضرات في منتدياتها.. إلخ. نعم نجحت إيران في استقطاب كتاب ومفكرين حتى من اليساريين والقوميين ومن غير المسلمين وغير الإسلاميين، تجمع هؤلاء -جميعاً- عقدة «كراهية أميركا» وشعار «الموت لأميركا». ومن الكتاب الغربيين الذين جندتهم إيران: الكاتب البريطاني الراحل «باتريك سيل»، والصحفي البريطاني المخضرم «روبرت فيسك»، والكاتب الأميركي «باتريك بوكانان».. هؤلاء، تحكمهم «عقدة اليسار»، يشتمون الإمبريالية ويحامون عن إيران، لكنهم يرفضون العيش فيها! أذكر كاتباً خليجياً من «المفتونين» بإيران، كان وزيراً في بلده، صرح لمجلة عربية بأن الذين يرفضون الحوار مع إيران، ويحاورون إسرائيل، صهاينة جدد، مبهورون بالأجنبي.. هذا الكاتب ليس إسلامياً، بل هو محسوب على «الليبراليين» ومتهم بالانبهار بالغرب ومنغمس في الحياة الغربية قلباً وقالباً! كيف يتجاهل هذا المفتون بإيران، المحاولات الخليجية الدؤوبة للحوار مع إيران، وهي الرافضة -باستعلاء ومكابرة- اليد الخليجية الممدودة، سواء فيما يتعلق بموضوع الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة أو غيرها من القضايا؟! أليست إيران هي الرافض ومنذ البداية، قيام مجلس التعاون، ولا تعترف به حتى الآن؟ أليست هي التي تستفز وتهدد وتمارس أعمال بلطجة وقرصنة في الخليج وتعمل باستمرار على نسف كل جسور التعاون واحترام حسن الجوار؟ أليست هي التي تعمل -بشكل ممنهج- على تصدير الثورة وإنشاء الخلايا وتمويل الميليشيات لزعزعة الاستقرار؟! من يرفض الحوار مع الآخر، نحن أم إيران؟! وللمرء أن يتساءل متعجباً: ماذا في نموذج ولاية الفقيه يدعو للافتنان؟! وماذا قدمت إيران، بعد 36 سنة على ثورة الخميني، لشعبها غير البؤس وللمنطقة غير التخريب؟! هاتوا عملاً إنسانياً واحداً قدمته إيران للمنطقة! مشكلتنا ليست مع إيران بقدر ما هي مع هؤلاء المفتونين بها! ألم تكن وراء كل الصراعات الإقليمية في المنطقة؟! من يكابر ويفكر عليه نزع الغشاوة ليبصر جيداً ما حوله. لكن دعونا من المفتونين عندنا، فهل أحدثكم عن «المفتون» الأكبر بإيران؟! إنه الرئيس الأميركي أوباما في حديثه الناعم عن إيران والقاسي على الخليجيين، ففي حديث مطول (بلومبيرج 27 فبراير 2014) سئل عن الفرق بين الإيرانيين والعرب، وأيهما أكثر خطراً: التطرف السني أم الشيعي؟ فلم يُبْقِ -لا فض فوه- صفة مدح وإلا وأسبغها على الإيرانيين: منهم استراتيجيون، ليسوا متهورين، يملكون رؤية عالمية، ينظرون إلى مصالحهم، إيران دولة كبيرة وقوية ترى نفسها لاعباً مهماً على المسرح العالمي، لا تملك رغبة انتحارية.. إلخ. وفي حديثه الشهير لـ«نيويورك تايمز» انتقد الخليجيين قائلا: أكبر الأخطار عليكم لن تأتي من غزو إيراني، بل من عدم رضا الداخل عليكم! حقاً إنه المفتون الأعظم!