نائب واحد فقط يتحكم في مصير حكومة نتنياهو الجديدة المشكلة من ائتلاف يستند إلى تأييد 61 نائباً من أصل 120 عضواً في الكنيست. فرغم نجاح نتنياهو في قيادة حزب «الليكود» إلى فوز يُعتبر معقولا بمعايير نظام الحكم البرلماني (25% من مقاعد البرلمان)، فقد عجز عن تشكيل ائتلاف حكومي قوي أو حتى مريح، بعد أن تمرد عليه حليفه السابق أفيجدور ليبرمان زعيم حزب «إسرائيل بيتنا»، ورفض الانضمام إليه، وحرمه من المقاعد الستة التي حصل عليها هذا الحزب. ويعني ذلك أن الحكومة ستكون في وضع حرج طول الوقت لحاجتها إلى كل صوت من الأصوات الـ61 في كل اقتراع على قرار أو مشروع قانون. لذلك فهي تبدو حكومة هشة مقارنة بأي من سابقاتها الثلاث والثلاثين منذ قيام إسرائيل عام 1948. ورغم أن نتنياهو يسعى لتوسيعها وتقويتها، عبر إلغاء الكنيست الجديد القانون الذي يضع حداً أقصى لعدد الوزراء (18 وزيراً و4 نواب وزراء)، يبدو هذا التطور جزءاً من مشكلة إسرائيل الدولة، أكثر مما يُعد سبيلاً لحل مشكلة حكومة هذه الدولة. فقد كان القانون الملغي أحد الدلائل المهمة على نجاح إسرائيل في بناء مؤسسات على أسس موضوعية، واعتماد مبادئ الجدارة والكفاءة والإنجاز، ووضع الكيف فوق الكم، وتطوير العمل التنفيذي عبر برامج نوعية، والاقتداء بالدول الأكثر تقدماً في تصغير حجم الحكومة مع الارتقاء بأدائها في آن معاً. ويمثل إلغاء هذا القانون مؤشراً على انتكاسة في الأداء العام، وتراجع في التقدم الذي حققته إسرائيل في هذا المجال وكان أحد أهم أسباب نجاحها في الوقت الذي غرقت دول عربية عدة في مستنقعات الفشل. وليس هذا هو المؤشر الوحيد على أن إسرائيل تعاني أزمة أبعد من مجرد عدم القدرة على تشكيل حكومة قوية ومستقرة. فليست المشكلة هنا في هشاشة الحكومة الجديدة، بل في تصدع الدولة التي كان قادتها يفخرون بأنهم حققوا معجزة عندما جعلوها الأكثر تقدماً وسط محيط يرفضها ويقاطعها. فقد أبرزت صعوبات تشكيل الحكومة الجديدة ثلاث ظواهر سلبية تدل على تصدع كياني وليس مجرد تعثر إجرائي في عملية تشكيل حكومة. فليس هذا التعثر إلا أحد تداعيات الظاهرة السلبية الأولى، وهي تغليب المصالح الشخصية، وليست فقط المصالح الحزبية، على المصلحة العامة التي كان إعلاؤها على مدى عدة عقود أحد أهم عوامل نجاح إسرائيل. فقد أظهرت مفاوضات تشكيل الحكومة الحالية تضخماً غير مسبوق في المصالح الشخصية. وصار أعضاء في أحزاب يستغلون مقاعدهم في الكنيست للحصول على مزايا شخصية متنوعة ثمناً لمنح الحكومة الثقة. وقد عبر يوسي فيرتر عن هذه الظاهرة بطريقة ساخرة في صحيفة «هآرتس» (1 مايو الجاري) بقوله إن «نتنياهو يحرص على إطعام شركائه ليأكلوا ويسمنوا، ويثقل صحونهم بالأطايب والألقاب من دون صلة بقدراتهم، أو ثقة الجمهور فيهم». والظاهرة الثانية هي تجاوز قاعدة الكفاءة والجدارة التي ساهمت في نجاح إسرائيل. فالحكومة الجديدة هي الأقل مراعاة لهذه القاعدة، والأكثر اعتماداً في تشكيلها على المجاملات وشراء التأييد في تاريخ إسرائيل. ولعل إسناد وزارة العدل ورئاسة اللجنة القانونية في الكنيست إلى حزب «البيت اليهودي» المعروف بأنه الأقل احتراماً لسلطة القانون، والأكثر استهانة بها، هو المؤشر الأوضح على هذه الظاهرة. أما الظاهرة الثالثة فهي الرضوخ للأحزاب والقوى الدينية المتشددة بطريقة تشد أية دولة إلى الوراء في هذا العصر. فقد نجحت إسرائيل في بناء أساس دولة حديثة رغم قوة الإرث الديني الأصولي فيها، واعتمدت صيغة أتاحت حضوراً للأحزاب الدنية في مساحة لا تؤثر في الطابع المدني للدولة. وبعد أن كانت حكومة نتنياهو السابقة قد اتخذت بضع إجراءات للحد من تنامي المد الديني الذي ازداد في العقدين الأخيرين، حصل الحزبان الدينيان اللذان انضما للحكومة الجديدة (شاس ويهودت هتوراه) على مزايا كبيرة مثل إعادة تمويل الحكومة للمدارس الدينية، وزيادة ميزانية وزارة الأديان، بما يؤدي إليه من توسع في التعليم الديني على حساب التعليم الحديث. هذا التصدع في كيان الدولة العبرية يحدث بينما تنهار دول عربية عدة على نحو يحول دون حدوث تغير قريب في معادلات القوة التي حكمت الصراع العربي الإسرائيلي لعقود طويلة.