ربما يكون هذا النهر قد بدأ يحفر مجراه مع وصول البعثات التعليمية المصرية الأولى إلى الإمارات قبل إعلان قيام دولة الاتحاد في مطلع سبعينيات القرن الماضي، غير أن ينابيعه قد تفجرت مع ظهور الشخصية التاريخية للمغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد عليه رحمة الله الذي لفت نظر المصريين في يونيو 1967 بكونه أول حاكم عربي يستخدم سلاح النفط في مواجهة العدوان الإسرائيلي في تلك السنة، وإن كانت سرعة الهزيمة لم تعط فرصة لذلك القرار الشجاع كي يحدث تأثيره. ثم دخل زايد ودولته الفتية قلوب المصريين جميعاً بمواقفه النبيلة التي لم تتوقف أبداً تجاه مصر وشعبها. وبعد رحيله واصل أبناؤه السياسة ذاتها تجاه مصر، فلم يكن موقف الشيخ زايد رحمه الله شأناً فردياً وإنما امتد من بعده إلى أبنائه وكافة أعضاء النخبة الحاكمة في الدولة، فها هو الشيخ خليفة يؤكد أن مصر القوية المزدهرة تمثل المخزون الاستراتيجي الأكبر للعرب ونهضتهم بينما يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد أن دولة الإمارات حريصة على أن تظل خير سند ومؤازر لمصر الشقيقة حتى تنهض وتنطلق من جديد وأن وقوف الإمارات شعباً وقيادة مع مصر نابع من إيمان راسخ بما تمثله مصر من عمق استراتيجي للمنطقة وبأهمية دورها المحوري والمهم على الصعيدين الإقليمي والدولي. وفي المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في شرم الشيخ في مارس الماضي مُثلت الإمارات بنائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حاكم دبي الذي تضمنت كلمته معاني جميلة عن مصر التي انكسر الغزاة على عتباتها دوماً وانطلقت منها مسيرات التحرر، وكيف أن مصر هي الوطن الثاني لأبناء الإمارات كما أن الإمارات هي الوطن الثاني للمصريين، وأن الإمارات ستبقى دوماً إلى جانب مصر ليس كرهاً لأحد وإنما حباً في شعبها. واصل النهر فيضه في الشهر الجاري بالزيارة التي أداها صاحب السمو الشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة لمصر لافتتاح دار الوثائق الجديدة التي تحمّل تكلفتها بالكامل، واستلام درجة الدكتوراه الفخرية في العلوم الاجتماعية التي منحته إياها جامعة القاهرة العريقة. تحدث الشيخ سلطان في الحفل الذي أقامته جامعة القاهرة بهذه المناسبة فكشف عن عشقه مصر حتى قبل أن يراها فلما حضر إليها في 1965 طالباً للعلم سكنت قلبه وعز عليه فراقها بعد أن انتهى من دراسته في 1971، وما زالت صورة لميناء صغير على شارع البحر الأعظم في مدينة الجيزة تعود أن يذهب إليه كي يستمع إلى أهازيج المراكبية معلقة على جدار في منزله يمر عليها عدة مرات في اليوم ويقول: «سلاماً يا مصر. مهما شرقوكِ أو غربوكِ فبعدك مصر». وقد التحم بنضال الشعب المصري، فعندما وقع العدوان البريطاني الفرنسي الإسرائيلي على مصر في 1956 لم يكن قد تجاوز السابعة عشرة من عمره ومع ذلك بادر مع زملاءٍ له بالقيام بأعمال فدائية ضد المعسكر البريطاني القريب من مدينته. وكان يدرس في مصر عندما شنت إسرائيل عدوانها في 1967 فاستمات حتى التحق بصفوف المقاومة الشعبية ولكن الهزيمة وتنحي عبدالناصر باغتا الجميع فخرج مع جماهير الشعب الذي أحبه في 9 و10 يونيو متمسكاً بعبد الناصر كي يقود معركة إزالة آثار العدوان. وتمر الأيام ويصبح الشيخ سلطان حاكماً لواحدة من أجمل إمارات دولته الفتية فيملؤها عدلاً ورخاءً ولا ينسى رد الجميل فلا يترك مناسبة يشعر فيها أن مصر الثقافة والعلم بحاجة إليه إلا ودعمها فيبني للجمعية التاريخية العريقة في مصر مبناها بعد أن أخرجت من مقرها لضيق ذات اليد، ويشيد مبنى رائعاً لمكتبة كلية الزراعة بجامعة القاهرة التي تلقى فيها تعليمه الجامعي الأول، ويفاجئ المصريين بتعويضه خسائر الحريق الذي دمر مقتنيات المجمع العلمي بالكامل من مكتبته الخاصة أو بالتصوير أو الشراء، ويبني لمصر داراً جديدة للوثائق بالمعايير العالمية، وليس هذا سوى غيض من فيض جعل الشيخ سلطان موضع محبة واحترام الشعب المصري ونخبته المثقفة، وهو ما ظهر جلياً في حفل تسليمه الدكتوراه الفخرية فقد غصت قاعة الاحتفالات الكبرى بالجامعة بالحاضرين من رموز النخبة المثقفة المصرية، فيا دولة الإمارات الحبيبة ويا رموز قياداتها ويا أيها الشيخ الجليل: مصر تحبكم وتشرف بمحبتكم لها.