منذ توجيه الرئيس الأميركي أوباما دعوة رسمية لقادة دول مجلس التعاون الخليجي إلى قمة كامب ديفيد، لم تكن التوقعات تشي بأنها ستلبي جميع تطلعات ومطالب الطرف الخليجي. ولا يمكن لأحد أن ينكر حجم التباين والخلافات الاستراتيجية بين الطرفين حول بعض الملفات الشائكة، وأبرزها التقارب مع إيران والسياسة الأميركية في العراق أولًا وتسليمه على طبق من ذهب لإيران، وكذلك التردد في سوريا ورفع اليد في اليمن، ما كرس وزاد من حجم الفوضى والاحتراب المذهبي وأقحم «داعش» والتطرف السني والشيعي الذي يهدد تماسك النظام الإقليمي العربي برمته، ويزيد من ذلك التفسخ على خطوط صدع طائفية ومذهبية، واستهداف الأقليات، وصولاً إلى شعور الأغلبية أيضاً في بعض الدول العربية بأنها مستهدفة وتحت الحصار، ما حول المنطقة إلى إقليم بلا نظام. ولذلك أكد الطرف الأميركي قبل القمة التي دعا إليها أوباما قادة مجلس التعاون الخليجي السعي لطمأنتهم حول الاتفاق النووي الإيراني النهائي، الذي من المفترض التوقيع عليه في نهاية شهر يونيو المقبل، وهذا كان هو المحرك الرئيسي لقمة كامب ديفيد التاريخية، وغير المسبوقة بين رئيس أميركي وقادة دول المجلس. والهدف الأساس كان الطمأنة والتأكيد على أن الاتفاق النووي مع إيران لن يكون على حساب دول المجلس، ولا بنود سرية فيه ولا صفقة كبرى! بل إن الاتفاق النووي سيكون لمصلحة أمن المنطقة وسيجنبها سباق تسلح ومواجهات، وسينهي الحرب الباردة. وهذا الطرح لا تتفق معه دول مجلس التعاون الخليجي. ومنذ البداية حرصت الإدارة الأميركية على خفض سقف توقعات قادة دول المجلس، مما يُتوقع من قمة كامب ديفيد. وعلى رغم عدم حصول الطرف الخليجي على تطمينات وضمانات مكتوبة كما طالب السفير الإماراتي يوسف العتيبة في واشنطن، شبيه بتلك التي قدمت لليابان وكوريا الجنوبية لصعوبة تمريرها في الكونجرس الأميركي، ولا أسلحة متطورة لدول الخليج، لم يسجل أيضاً تعهد بشمول الحلفاء الخليجيين تحت المظلة الأميركية النووية أو التقليدية، فيما كان الطرف الخليجي يتوق لسماع التزام أميركي أكثر وضوحاً وصراحة في وجه إيران و«داعش» وغيرهما! كأن يلوح الرئيس أوباما بأصبعه محذراً ومهدداً إيران بأن «أمن شركائنا الخليجيين خط أحمر». لقد أرادت دول الخليج تغيير المقاربة الاستراتيجية الأميركية لتكون أشمل وأعمق وأبعد من برنامج إيران النووي، وأن تصحح التناقضات في سياسة أميركا تجاه إيران والعراق وسوريا واليمن. وتهدئ قلق الشركاء الخليجيين من الانكفاء ورفع يد أميركا عن المنطقة، وتراجع الاعتماد على النفط الخليجي، والاتجاه نحو آسيا. وقد حقق كلا الطرفين مكاسب وسُجل تعديل في خطاب الإدارة الأميركية وتصعيد ضد إيران. ولكن دول الخليج تريد أن ترسم خريطة طريق أعمق وأشمل من إيران ترسخ علاقة استراتيجية بعيدة المدى، تكون مواجهة إيران أحد أبرز مكوناتها، لأن جميع الملفات الإقليمية تتمحور حول إيران. وقد أقر أوباما في القمة وبعدها، بتفهمه شخصياً لهواجس دول مجلس التعاون من دور طهران في المنطقة، ومطالبته إيران بممارسة سياسة حسن الجوار وطمأنة الدول الخليجية وبناء الثقة معها. وقد يكون من أبرز إنجازات قمة كامب ديفيد، التحول في خطاب ومقاربة الإدارة الأميركية والرئيس أوباما شخصياً تجاه إيران، ووصفها بأنها دولة ترعى الإرهاب وتقلق الشركاء الخليجيين. وقد حقق الطرفان في القمة مكاسب واضحة، إذ سعى أوباما لتحقيق تفهم من دول مجلس التعاون للاتفاق النهائي النووي مع إيران، على رغم عدم التوصل إليه بعد، ودعم ومساندة دول المجلس الشريك الرئيسي الإقليمي للحرب ضد الإرهاب و«داعش». بينما حصل الطرف الخليجي على تعهدات أكثر وضوحاً وصراحة بالدفاع عن أمنها. وبالتزام شفهي أميركي باستخدام القوة العسكرية إذا دعت الحاجة وعند الضرورة إلى ذلك. وهو ما وصفه أوباما بعبارة Ironclad Security commitment. ومأسسة العلاقة بعقد قمة سنوية بين قادة الدول، والتأكيد على تطوير العلاقة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. واقتراب الموقف الأميركي من الموقف الخليجي في سوريا واليمن والعراق. وسجل أيضاً التحول الأميركي الواضح باستخدام لغة صارمة ضد إيران، والتأكيد أن الدول الخليجية محقة في شعورها بالقلق من إيران بسبب أنشطتها مع حلفائها التي تزعزع الأمن في المنطقة. كما سجل التأكيد على أن العقوبات على إيران لن تُرفع فور توقيع الاتفاق النووي النهائي، بل بشكل متدرج. وكذلك تطابق الموقف من الحوثيين في اليمن. لقد كانت قمة كامب ديفيد خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح. ويجب استثمارها والبناء عليها. والخطوة التالية تستوجب ترقية العلاقة مع السعودية والإمارات وقطر وعُمان إلى «حلفاء رئيسيين من خارج حلف الناتو». كما هي عليه العلاقة الأميركية مع الكويت والبحرين. وفي المجمل، كانت قمة ترضية وتوازنات، قمة أفضل الممكن في ظل الظروف والمعطيات والتفاوت في قدرات وإمكانيات الطرفين، وفي ضوء عقيدة أوباما «الصبر الاستراتيجي». ولذلك خرجت قمة كامب ديفيد بتطيمنات وليس بضمانات، وبتعهدات وليس بمعاهدات، وتبقى العبرة في التنفيذ.