كان من المتوقع أن ينتهي لقاء كامب ديفيد دون الوصول إلى صيغة صلبة تطمئن دول مجلس التعاون نتيجة لتبدل السياسات العامة التي تنتهجها الإدراة الأميركية. كان أوباما واضحاً في لقائه مع «توماس فريدمان» عندما أعلن أن لقاء كامب ديفيد سيضع النقاط على الحروف وتحديداً أن على الدول الخليجية أن تتحمل مسؤولياتها، وتعالج أوضاعها وتتصدى للتحديات التي يفرضها الواقع الجديد الذي تعيشه المنطقة العربية. يبدو لنا أن لغة الحوار بحاجة إلى مراجعة، فالجانب الأميركي يجد صعوبة في التفاهم حيال قضايا حيوية نتيجة للاختلاف الثقافي بين الحلفاء. فالتفاهم السياسي يقع ضمن تأثيرات ثقافية تحدد مجراه، وهذا ما نلاحظة في العلاقة الخليجية الأميركية أو الغربية. دول الخليج العربي مازالت ماسكة على نمطها التقليدي في فهم المتغيرات العالمية، وهذا ما يجعل المبادرة تغيب في سياساتها العامة. دول الخليج العربي مازالت تفكر بطريقتها التقليدية، فهي ترى أن المال كفيل بحل كل شيء، كما قال رحمه الله غازي القصيبي في إحدى كتاباته. فهذا النهج جعل هذه الدول تستكين على هذا الفهم دون أن تحاول أن تطور من إمكانياتها الداخلية. حكومات الخليج العربي تتمتع بتلاحم بين الحكم والشعوب، وهي ميزة يغفل عنها البعض، كما أنها لم تمر بمخاض «الثورات» العربية التي وعدت بمشروع النهضة وانتهت تلك الثورات إلى خيبات كبيرة زادت من نسب الفساد والدمار، وباعدت بين الطبقات الاجتماعية، وانحصرت الثروة ضمن شريحة صغيرة. وزادت الأحقاد الاجتماعية ومن ثم كراهية السلطة. فالخليج لم يمر بهذه المرحلة مما يجعله يملك إمكانات من العلاقات البشرية التي تفوق الثروة النفطية. هذه الدول استطاعت أن تحقق الكثير في بناها التحتية، إلا أنها أخفقت في مواجهة الثغرات الاجتماعية المتمثلة في تنامي معدلات الفساد وزيادة نسب الاستحواذ، ودخلت في دائرة الاختلات الاقتصادية والديموغرافية. الأشياء لا تبقى على ما هي عليه، فهي دائماً في حركة تطورية، وهذا ربما يغيب عن بال الساسة، ويجعلهم يغفلون قضايا حيوية تمكنهم من تقديم مبادرات تاريخية تحتضن الجميع انطلاقاً من طبيعة المتغيرات والتحديات سواء المحلية أو العالمية. ولعل من أهمها نمو المدارس الدينية المتطرفة، مما أدى إلى تحولات فكرية في عقول الشباب، الذين نشاهدهم يقاتلون إيماناً منهم بالحق الإلهي أو بالمقدس فهم ضحايا لسياسات غريبة. لم نولِ هذه المشكلة الأهمية المطلوبة وتعاملنا معها على أنها طارئة، ومن ثم تفاقمت وزحفت إلى العالمية وحدث أحداث سبتمبر الأميركية الشهيرة وما جاء بعدها من سياسات غيرت ملامح العالم. ما يحدث من صراع طائفي، ومن تنامي منظمات إرهابية، واحتلالها لمواقع وأراضٍ تشن منها حربها ضد التحالف الدولي.. كل ذلك ليس وليد الصدفة التاريخية بقدر ما يرتبط بسياسات جديدة، ترى بإعادة رسم الجغرافيا وفق متغيرات طائفية أو عرقية. ونحن في الخليج لسنا بمعزل عن أحداث تدور على بعد كيلو مترات منا. فالمنطقة العربية تمر بمخاض عسير وتداعيات التغيير لا نعرف مداها وحدودها، فالواقع الجديد بحاجة إلى رؤية ديناميكية قادرة على تقديم سيناريوهات عملية قادرة على التعامل مع الواقع الجديد.