لا يبحث الإرهابيون العرب في العراق وسوريا عن «سيرة جهادية»، بل عن الموت، أو كما يسمونه «الاستشهاد»، في أسرع وقت، ودون طويل انتظار، وبأبشع الطرق إن أمكن! وقد كشف اندحار عناصر «داعش» عن مدينة «عين العرب» أو كوباني، بعد فشلهم في السيطرة على المدينة القريبة من الحدود السورية- التركية، تقول مراسلة صحيفة الحياة، 12- 02- 2015، «عن حجم الخسائر الكبيرة في صفوف مقاتليه العرب، الذين شكلوا ظاهرة غريبة في معركة التنظيم للسيطرة على المدينة الكردية، إذ توافدوا عليها بكثافة بحثاً عن الموت». وتضيف المراسلة منيرة الهديب: إن مصادر سورية أكدت «أن عناصر عربية من تنظيم داعش الإرهابي تسلمت المواقع الأكثر خطورة في منطقة عين العرب، التي يكثر ويشتد فيها القصف، رغبة في الموت أو المواجهات مع قوات الحماية الكردية. وبعد زيادة وتيرة ضربات التحالف الدولي على عين العرب، ازداد وجود السعوديين من داعش في المنطقة، حتى أطلق التنظيم عليها سوق الجنة»! وأضافت هذه المصادر: إن العرب لا يتزاحمون على المواقع التي تتعرض للقصف المكثف، «بل حتى مقاومتهم فيها تقلّ، رغبة في الموت»! ونقلنا في مقال عام 2002 مذكرات أحد الأفغان العرب «نفس الملاحظة عن ولع العرب فيما يبدو بتعريض أنفسهم للموت، يقول: «إن الأفغان لا يحبون الموت حتى لو كان في سبيل الله. كان الدعاء بالشهادة دارجاً على ألسنة العرب فكان الأفغان يسارعون إلى تصحيح الدعاء.. وكانوا يتعجبون من رغبة العرب في الموت، ولكن العجيب أنهم كانوا أصبر من العرب على الموت الذي يبغضونه.. وقد اكتسب العرب بهذا سمعة هائلة بأنهم قوم لا يرهبون الموت، بل يعشقونه، بينما الأفغان يريدون أن يعيشوا ثم ينالون الشهادة في آخر العمر» (أنظر الخروج من مدار بن لكن، خليل علي حيدر، 2006، ص 49). سلّم مفسر الأحلام والراقي الشرعي «مانع المانع» نفسه العام الماضي إلى السلطات في تركيا بعد انشقاقه عن تنظيم «داعش». وقد صرح لصحيفة الشرق الأوسط، 09 - 02 - 2015، «أن العرب الذين انضموا إلى التنظيمات الإرهابية في سوريا يسهل إقناعهم بالفكر التكفيري، وهناك المئات من العرب مع التنظيم، وشرط مشاركتهم في القتال متوقف على مسألة التكفير بين هؤلاء قصّر أعمارهم بين 14 و17 سنة، وبعضهم يعتبر والديه من المرتدين»! وتقول صحيفة الحياة في تقرير ثان كان قد نشر قبل أشهر أن العرب يتولون الأمور القيادية والشرعية فيما يتولى العراقيون القضايا الأمنية، ويقول محمد سعود للحياة إن «قصص الشباب العرب مع التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا، تبدأ بالتغرير، خصوصاً لصغار السن، لكنها تنتهي إما بسجنهم وإما بقتلهم وإما بعودتهم إلى بلادهم نادمين، كما أن كثيرين من الذين ذهبوا لم يستأذنوا والديهم». قبل أسابيع قليلة، قضت محكمة سعودية على شخص بالسجن ست سنوات مع منعه من السفر، لإدانته بالانضمام إلى «جبهة النصرة» في سوريا، ثم مبايعته لتنظيم داعش، بعد تركه للنصرة إلى هذا الأخير. وكان قد تنقل من قبل بين التنظيمات الإرهابية، فور وصوله إلى هناك. ومن قصص الإرهابيين المحزنة والمخيفة في الوقت نفسه، ما نُشر عن شابين أنهيا حياتهما بعد صداقة وطيدة منذ سنوات الطفولة الأولى، كان مشهدها الأخير، كما روت منيرة الهديب نفسها في تقرير بالحياة، 16- 02- 2015، مشاركتهما في تنفيذ عمليتين انتحاريتين منفصلتين في أيام متتالية، استهدفت قواعد عسكرية في العراق لمصلحة تنظيم داعش الإرهابي. وتقول المراسلة: إن الصديقين أُوهما بالذهاب في «رحلة سياحية دعوية»، فيما باع أحدهما سيارته الخاصة ليغطي تكاليف السفر له ولصديقه والالتحاق بداعش، «وتنقلا بين سوريا والعراق: رافضين الانفصال حتى في جبهات القتال، وتميز فيصل بقدرته على استخدامه مضاد الطيران بين عناصر كتيبته، وأوكلت إليه هذه المهمة». وهكذا، شارك أحدهما في «عملية انغماسية»، تلت عملية تفجير انتحارية، قرب مدينة بيجي في محافظة صلاح الدين العراقية. وبعد أيام من مقتله فجر صديقه سليمان نفسه داخل مركبة مفخخة في عمليتين متتاليتين، فيما لحق بالاثنين إرهابي قطري يدعى «أبو عمر» من عناصر داعش، أقدم على تفجير نفسه داخل شاحنة مفخخة بأكثر من سبعة أطنان من المواد شديدة الانفجار، ضد قاعدة سبايكر العسكرية شمال مدينة تكريت، كما قتل ثان من عناصر التنظيم وهو «محمد المري»، أحد الأمراء العسكريين في المنطقة، في غارة جوية من غارات التحالف الدولي في منطقة عين العرب، وكان قد شارك في المعارك ضد قوى «الصحوات» التي نظمها شيوخ العشائر غربي العراق. وتحدثت الصحف مؤخراً عن توجه العرب المرتبطين بـ«داعش» إلى ليبيا وطرابلس الغرب، وبخاصة «درنة» و«سرت»، بعد تراجع نفوذ «داعش» في العراق والشام.