لقد تعددت الأسباب التى أدت إلى تعثر محاولات التغيير في واقعنا المعاصر ومنها: 1- معاداة كل محاولات التجديد على المستوى النظري، واتهام كل محاولة جريئة بالانحراف والشيوعية والماركسية، واتهام كل محاولة لتغيير الأساس النظري الهرمي أو الثنائي إلى أساس واحدي طبيعي بالمادية، مع أن الفكر الطبيعي كان موجوداً في تراثناً القديم عند الطبائعيين، ولا ضير أن يبدأ الفكر بتبني الواقع والبداية منه ورفض كل المحاولات لتعميته والتقليل من شأنه والقضاء عليه وتحويله إلى شيء مخالف له في الوهم أو الخيال أو التمني. فالتجديد إذن كان قاصراً متردداً، ولم تكن فيه الجرأة النظرية الكافية كما هو الحال في «لاهوت الثورة» في بعض البلاد في أميركا اللاتينية. 2- سيادة التعصب بدل الوعي الفكري، وسيطرة الحمية الدينية غير المعتدلة بدل الالتزام الواعي خاصة إذا انضم الشباب، وعم تصور غير معتدل للتدين قطاعات الشعب الأقل تعلماً. فالأيديولوجية مجموعة من الأفكار المستقاة من الواقع، والتي تنظِّر الواقع، وتقبل التغيير والتعديل طبقاً لتطورات الواقع نفسه، ومن ثم فهي ضد القطيعة الجازمة، وعلى نقيض الروح الوثوقية، وهنا تأتي أهمية التنوير العقلي حتى تظهر أبعاد الواقع المختلفة في قالبها الفكري. والانفعال في النهاية هو قصر نظر إن لم يكن غيبة النظر على الإطلاق، ونقص في الوعي الفكري، وعدم القدرة على الإحساس بالآخر، وعدم القدرة على التحقيق والإنجاز وكأن الانفعال يخلق واقعه من خلال ذاته ولا يحتاج إلى واقع آخر تتحقق فيه أماني الانفعال ورغباته. 3- جدل الكل أو لا شيء عند الممارسة، فالناس، وفق هذا التصور الاختزالي القاصر، صنفان، صنف مع وصنف ضد. والأيديولوجية كلٌّ لا يتجزأ، إما أن تطبق أو لا تطبق، وليس هناك مجال لأي تطبيق جزئي، أو أي زيادة أو نقص في الحقيقة، كما كان يُقال أحياناً في تراثنا القديم! في حين أن الواقع قد يتجه نحو الأيديولوجية وقد يبتعد عنها، ولكنه لا يكون أبداً خالياً منها أو مطابقاً لها. وواقعية أي دعوة أو فكرة أو إيديولوجية تكمن في تبنيها نظم الواقع المتفقة معها وتكملتها وتطوير ما يحتاج إلى تطوير منها، فالدعوة أو الفكرة لا تأتي على لا شيء، وقد جاء الوحي قديماً على تراث سابق أكده وطوره إلى مرحلة جديدة. وتخطئ الثورات الحديثة عندما تظن أنها تبدأ من لا شيء وتجبُّ ما قبلها، فالغلظة منافية لتوعية الجماهير، وكيل الاتهام للناس منافٍ للعمل معهم. 4- لم أو بالأحرى وهْم تغيير الواقع بالقوة دون انتظار لتوعية الجماهير، واستعمال العنف ضد الفئات الأخرى، فالصراع يتم على المستوى الرأسي لا على المستوى الأفقي. و«العنف الثوري» لا يحدث إلا إذا وثقت الجماعة «الثورية» أن الجماهير كلها معها، وأنه لا أمل في تغيير الأوضاع الاجتماعية عن طريق نشر الوعي الجماهيري. ولكن لا يمكن استعمال العنف الثوري في بيئة تعتبر نفسها أمة واحدة، ومع مجتمع يرتبط فيما بينه بالعروة الوثقى، وفي شعب يجمعه الحصير والمصطبة، ويستمع كله للراوي ولأخبار البلد. وفي النهاية، قد يكون المخزون النفسي عند الجماهير، طبقات وأفراداً، هو الموجّه الأول للسلوك الذي يجُب المصلحة الخاصة، وقد يكون في إلقاء التحية على قوم –تحية السلام في «السلام عليكم»- مذهبة لغضب أو إعلان لثورة أو تأكيد على وحدة المجتمع أو إبراز للمصلحة العامة. واستهداف الأفراد لا يقضي على الأفكار. 5- محاولة تغيير الواقع بالوثوب على السلطة دون إرادة الجماهير، مصدر السلطة. ومن ثم كانت مثل هذه النزعات أقرب إلى محاولات الانقلاب منها إلى تغيير اجتماعي بالفعل. وقد ينشأ هذا الأسلوب من ذهن يسيطر عليه التصور الهرمي المركزي للعالم، ويعطي الأولوية والفاعلية والحكم للقمة على القاعدة وللمركز على المحيط. وما السلطة السياسية إلا نتيجة لوعي الجماهير، وتأتي الرقابة على السلطة من القاعدة إلى القمة. ----------- أستاذ الفلسفة - جامعة القاهرة