إيماناً بأهمية التوطين في تحقيق التنمية الشاملة المستدامة، أقرت دولة الإمارات العربية المتحدة، إجراءات داعمة لرفع مستوى مشاركة الكوادر المواطنة في سوق العمل، كإصدار القرارات الملزمة للمؤسسات العاملة في قطاعات محددة، كالقطاع المصرفي وقطاع التأمين، بتوظيف الكوادر المواطنة، بمعدلات سنوية تصل إلى 4%، مع الحرص على القيام بإجراءات رقابية لمتابعة عمليات تنفيذ ذلك. وأيضاً من الإجراءات المهمة التي طبقتها الإمارات في هذا الشأن، إعلانها عام 2013 عاماً للتوطين، وإطلاق مبادرة «أبشر» التي تستهدف عبر استراتيجيات متنوعة إيجاد فرص عمل جديدة للمواطنين، لا سيما في القطاع الخاص، وغير ذلك من الجهود. وفي إطار التركيز على دعم دور القطاع الخاص في عملية التوطين، وضعت الإمارات آليات عدة لذلك، وسعت إلى التغلب على مشكلة ضعف إقبال الكوادر البشرية المواطنة على العمل بالقطاع الخاص، فكان من ضمن الجهود التي اتخذت في هذا المجال، تفعيل برامج التدريب والتطوير للكوادر المواطنة، وتنفيذ برامج الإرشاد والتوجيه المهني للطلاب، وتقليص الفجوة بين الرواتب والامتيازات بين القطاعين الحكومي والخاص، وتحفيز الشركات والمؤسسات الخاصة على المشاركة في عملية التوطين، من خلال تحمّل الدولة جزءاً من المكافآت الشهرية التي يحصل عليها المواطنون العاملون في تلك المؤسسات، بالإضافة إلى تحمّل تكاليف التدريب المقدمة للموظف المواطن. وعلى الرغم من كل هذه الجهود، فإن مؤشرات عملية التوطين في القطاع الخاص ما زالت متواضعة، فمؤخراً نشرت «الهيئة الاتحادية للموارد البشرية»، نتائج بعض الدراسات حول عوائق التوطين في الإمارات، وكشفت عن استمرار سيطرة هيمنة العمالة الوافدة على معظم المهن وفرص العمل في القطاع الخاص، إذ إن نسبة المواطنين من إجمالي العاملين في القطاع لا تتجاوز 1%، في حين تظل الغالبية العظمى من الأيدي العاملة المواطنة متمركزة في مؤسسات القطاع الحكومي. وتأتي هذه المؤشرات بالاتساق مع نتائج دراسة صادرة عن «صندوق خليفة لدعم المشاريع» بعنوان «الشباب والمشاريع في دولة الإمارات العربية المتحدة»، تشير إلى أن 91% من إجمالي المواطنين العاملين في الدولة، يعملون في القطاع الحكومي، فيما يعمل 6% فقط في القطاع الخاص، و3% فقط هي نسبة المواطنين ممن لديهم مشاريعهم الخاصة بهم. وبحسب بعض البيانات الصادرة عن «قمة التوطين» لعام 2015 التي انعقدت ضمن معرض الوظائف «توظيف» في أبوظبي في وقت سابق من هذا العام، فقد توقع 67% من الطلاب الإماراتيين المشاركين في القمة، أنهم سيواجهون صعوبات حين دخولهم إلى سوق العمل، لا سيما إذا رغبوا في الحصول على فرصة عمل في القطاع الخاص، بل عبّر بعضهم، وفق مسح أجرته صحيفة «الإمارات اليوم» في مارس الماضي، عن تفضيلهم البقاء عاطلين عن العمل عوضاً عن العمل في القطاع الخاص لضعف مزاياه. وتظهر هذه المؤشرات حجم التحديات الكبيرة التي تواجهها دولة الإمارات العربية المتحدة، لتشجيع المواطنين على الالتحاق بالعمل في القطاع الخاص، وهو ما يستدعي من الجهات المعنية العمل على مراجعة سياسات التوطين ومدى جدواها في تحقيق أهدافها المطلوبة، نظراً إلى الآثار السلبية لانخفاض نسب التوطين في القطاع الخاص. وفضلاً عن ذلك، تظل هناك حاجة ماسة لتوعية جميع عناصر المجتمع الإماراتي أفراداً ومؤسسات، بأهمية تحمُّل كل فرد مسؤوليته المجتمعية تجاه وطنه، ليس في مجالات التوطين فقط، ولكن في مختلف أوجه الحياة، في سبيل تعزيز النمو الاقتصادي وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين، وترسيخ مكتسبات التنمية الشاملة والمستدامة. ـ ـ ـ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.