إذا كانت روسيا متصلبة بالنسبة لأوكرانيا، وتعتبر أن الغرب عدو في معظم جوانب السياسة العالمية، إذن فلماذا أتى وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى «سوشي» للقاء فلاديمير بوتين لأول مرة منذ قيام روسيا بغزو القرم؟ على الأرجح، فإن هذه ليست حتى خطوة صغيرة نحو تطبيع العلاقات الروسية - الأميركية، ولكنها مجرد إشارة على أن التواصل الاستراتيجي بين الدولتين يقترب مما تصفه نظرية اللعبة بالنتيجة النهائية. وقد تم وصف اللعبة التي تتكشف بين روسيا والغرب في بحث نشر في عدد أبريل من مجلة «اقتصاد السلام وعلوم السلام والسياسة العامة». وفي هذه الدراسة يعترف خبيرا الاقتصاد اللذان قاما بالدراسة «ريتشارد إريكسون» و«ليستر زيجر» أنهما ليس لديهما خبرة إقليمية معينة. ولعرض التفاعل باستخدام نظرية التحركات، قاما بقراءة تغطية للأزمة الأوكرانية في صحيفة «وول ستريت جورنال» وغيرها من وسائل الاعلام الرئيسية الأميركية، الأمر الذي يجعل استنتاجهما أكثر روعة. ويبدو أن منطق اللعبة لا يعتمد كثيرا في الواقع على الشخصيات والتاريخ والذكريات العاطفية. والتحركات في هذه اللعبة هي تغييرات في السياسة من جانب واحد – فلنقل، إن روسيا تغزو شرق أوكرانيا والولايات المتحدة تشدد العقوبات ردا على ذلك. وبدلا من اتخاذ هذه الخطوة، يمكن لأحد اللاعبين المرور أو الامتناع عن تغيير السياسة. وإذا حدث مرورين من قبل أي من اللاعبين، تنتهي اللعبة. وفي النموذج الذي يقدمه الباحثان، يمكن لروسيا أن تتبع ثلاث سياسات أساسية: «دعونا نذهب» (أي وقف التدخل في أوكرانيا)، أو «زعزعة الاستقرار» (الاستمرار في مساعدة الانفصاليين كما تفعل الآن أو ممارسة ضغوط اقتصادية)، أو «الغزو» (إرسال قوات علناً). أما الخطوط الغربية الثلاثة الممكنة فهي «العمل كالمعتاد» (غض الطرف عن التصرفات الروسية في أوكرانيا)، و«العقوبات» و«المساعدات العسكرية» (لأوكرانيا). ومن الممكن أن يتحدى أنصار بوتين وصف الباحثين لنقطة بداية اللعبة: «زعزعة الاستقرار» (بالنسبة لروسيا) و«العمل كالمعتاد» (بالنسبة للغرب)، ما يعني أن الغرب لم يكن متورطاً في أي تفاعل استراتيجي عندما بدأت روسيا التدخل في أوكرانيا بعد الإطاحة بالرئيس «فيكتور يانوكوفيتش». والخط الرسمي لروسيا هو أن الغرب ساعد على قيام انقلاب غير شرعي في أوكرانيا، ما أجبر روسيا على الرد. وفيما يتعلق باللعبة، رغم ذلك، فإن هذه نقطة جدلية، لأننا نعلم كيف تحرك كل جانب في العام الذي أعقب الإطاحة بيانوكوفيتش. ويستنبط الباحثان من هذه التحركات أن روسيا ليست مستعدة «للذهاب» وأنها تستجيب بغضب لأي علامات على تدخل الغرب. أما الغرب، من جانبه، فهو على استعداد عموماً للتفاعل مع التصعيد من جانب روسيا، بيد أنه سيختار الاستجابة الأضعف كلما كان ذلك ممكنا. ومع ذلك، فإن «إريكسون» و«زيجر» يجربان إعادة ترتيب أفضليات الجانبين. وإلى جانب ذلك، فقد لاحظا أن الاجراءات التي قامت بها أوكرانيا يمكن أن تؤثر على ترتيب الأفضليات الروسية: فعلى سبيل المثال، فإن النجاحات التي حققها الجيش الأوكراني ضد المتمردين الذين تدعمهم روسيا في صيف 2014 جعلت روسيا تعزز من تدخلها لزعزعة الاستقرار. لذا، فإن واضعي نظرية اللعبة وضعوا مصفوفات وأشجار القرار ل 13 سيناريو مختلفا، آخذين في الاعتبار جميع التحركات المعقولة. والفكرة تتمثل في تحديد ترتيب القيمة على أساس الأفضلية لكل خط من خطوط السياسة وحساب فوائد سلسلة من الخطوات لكل لاعب. وكان التوازن هو «العقوبات/ زعزعة الاستقرار». وعلى حد تعبير «إريكسون» و«زيجر»، فإن «روسيا تقوم بزعزعة استقرار أوكرانيا، ما يخلق «صراعا مجمدا» يمنع ترسيخ حكومة ديمقراطية موجهة للغرب، بينما يستقر الغرب في شكل مستقر للعقوبات الجارية، معاقبا روسيا، بتكلفة عالية بالنسبة لها، ل «سلوكها السيئ». أما الخيار الثاني الأكثر ترجيحا فهو «العمل كالمعتاد»/ «زعزعة الاستقرار»، وفيه «يعتقد الغرب أن الحفاظ على أوكرانيا ديمقراطية، ومتجهة نحو الغرب لا يستحق هذه التكلفة، والسماح مجددا لروسيا بتحقيق أهدافها الجيوسياسية من خلال زعزعة الاستقرار بنجاح». في جميع سيناريوهات إريكسون وزيجر، فإن النتيجة النهائية سيتم الوصول إليها في عدد قليل من التحركات. وبالمعدلات الحقيقية، ربما نكون بالفعل في نهاية اللعبة. وعلى أي حال، فإن روسيا تواصل زعزعة الاستقرار في أوكرانيا، والغرب لا يعتزم رفع العقوبات. وكل ما تبقى للسيناريو الأكثر ترجيحا هو التفعيل الرسمي لمنطقة نزاع مجمد، مثل منطقة ترانسنيستريا في مولدوفا. ونتاج الأزمة الأوكرانية هو عملياً نهاية مفروغ منها إذا كان تحليل كلا الجانبين للتحركات المحتملة معقولاً نسبياً. كاتب روسي مقيم في برلين ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»