تعتبر العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني في العالم العربي أساساً مهماً لعدم استقرار السياسة والمجتمع، فهي علاقة مختلة لأنه في الوقت الذي تشمل فيه الدولة مؤسسات السلطة، بما في ذلك مؤسسات الرئاسة والبيروقراطية الحكومية والقضاء وقوات الأمن والشرطة والمؤسسة العسكرية، فإن المجتمع المدني العربي يحتوي - من الناحية النظرية على الأقل - النطاق الواسع من الهيئات التطوعية المنتشرة عبر نسيج المجتمع التي توجد ضمنها الأحزاب السياسية واتحادات العمال والنقابات المهنية والمنظمات الطلابية والجماعات الدينية ومنظمات النفع العام مثل الجمعيات الأهلية. ومنذ خروج الاستعمار إلى هذه اللحظة، اتسمت العلاقة بين الدولة والمجتمع بوجود دول عالية المركزية تسعى لاستيعاب العناصر الأساسية من المجتمع المدني، وجعلها جزءاً من الدولة أو آلية من آليات السيطرة على الدولة والمجتمع والسلطة والثروة. هكذا كان يبدو المشهد العام على الأقل، إلى أن جاءت الأحداث منذ ديسمبر 2010 - يناير 2011 التي تشير إلى أن توسعة سلطة وقوة الدولة يتم تحديها بسبب ما يحدث من قلاقل واضطرابات ومظاهرات وثورات، وأحياناً عمليات إرهابية كبرى كما حدث في تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن، لقبها الغربيون بـ «الربيع العربي»، أو في ما يفسره بعض الباحثين الغربيين ببروز مجتمعات مدنية محلية في كل دولة على حدة تسعى للحصول على حقوق سياسية واقتصادية كبرى من خلال القيام بأعمال تهز كيانات الدول بغرض إسقاطها. ولأن معظم الدول العربية التي شهدت مثل تلك الأحداث ألمت بها وقيدتها سلسلة من عقود الفساد وسوء الإدارة، فقد أصبحت غير قادرة بشكل متزايد من السيطرة على حدودها الوطنية، فكانت النتيجة هي ما أطلقت عليه شخصياً منذ سنوات عدة بـ«المعضلة السياسية للدولة في الوطن العربي». تلك المعضلة السياسية أفرزت نتيجة خالصة أخرى هي ظهور الجهود الخاصة بإعادة بناء علاقات الدول العربية بمجتمعاتها المدنية خلال تسعينيات القرن العشرين، فيما بدأ في تلك المرحلة بأنه جاء على ضوء المصالح المشروعة واحتياجات الدول العربية المعنية ومجتمعاتها المدنية. لكن يبدو أن تلك المحاولات بائت بالفشل، خاصة عندما انشغلت جميع الدول العربية بالهم الذي أفرزته أحداث الغزو العراقي للكويت، ووجود مئات الآلاف من الجنود الأجانب على الأراضي العربية، وما تسبب فيه ذلك من شق للصف العربي وإضعاف شديد للشعارات المرفوعة حول الوحدة والحرية والعدالة والمساواة الاجتماعية والكرامة الوطنية. المهم في الأمر هو أن رغبة النخب السياسية في تأكيد تركيز سلطة الدولة في أيديها تعارضت مع المطالب الحيوية المتزايدة للمجتمع المدني التي وصلت توقعات الكثيرين من المواطنين العرب ضمنها إلى أسقف مرتفعة لم يكن بإمكان الدولة والنخب التي تحكمها تلبيتها، فبعد الحصول على الاستقلال توقعت جماعات المجتمع المدني كافة أن تجني مستويات عالية من النفوذ في شؤون الدولة والمجتمع، لكن اتضح بأن تلك التوقعات سراب لا وجود له على أرض الواقع، وذلك لأن النخب الموجودة في قمة الهرم الاجتماعي قامت بتوظيف منظومتين من السياسات تقومان على الضم والاستيعاب من جانب، والقمع والإقصاء من جانب آخر لكي تتمكن عملياً من استيعاب المطالب الصادرة عن المجتمع المدني والالتفاف عليها في إطار السعي نحو تركيز السلطة والثروة في أيديها، فكان ما كان من وجود شق واسع بين النخب ومؤسسات المجتمع المدني كافة، وهو شق لا يزال يلقي بظلاله على مسيرة المجتمعات العربية نحو التنمية الشاملة المستدامة، وهذا أمر يحتاج إلى معالجات جذرية شاملة.