تنطوي محاولات الرئيس فلاديمير بوتين الأخيرة لتبرير اتفاق مولوتوف- ريبنتروب الذي يعود إلى العام 1939 -عندما تقاسم الاتحاد السوفييتي الأراضي البولندية مع ألمانيا النازية- على مؤشرات واضحة على الطريقة التي يتعامل بها الكرملين مع الموضوع الأوكراني. ولمزيد من التوضيح إليكم ما قاله بوتين للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يوم الأحد الماضي على هامش الاحتفال بالذكرى السبعين لانتهاء الحرب العالمية الثانية: «لقد بذل الاتحاد السوفييتي جهوداً جبارة لوضع الشروط المناسبة لنشوء مقاومة مشتركة تواجه الخطر النازي في ألمانيا، وسعى مراراً إلى إقناع الغرب بإقامة تحالف مضاد للنازية، ولكن جميع المحاولات باءت بالفشل. وأكثر من ذلك عندما وقعت معاهدة ميونيخ الشهيرة التي تنازلت بموجبها الدول الغربية عن أجزاء من تشيكوسلوفاكيا لألمانيا، اعتقد البعض أن الحرب باتت حتمية، وهو ما أكده تشرشل نفسه! بمعنى أنه لم يكن أمام الاتحاد السوفييتي سوى توقيع الاتفاق مع ألمانيا النازية لحماية جبهته الغربية وعدم التعرض لأي عدوان»، والحقيقة أن هذا التصريح الطويل لبوتين الذي حرص على أن تسمعه ميركل ليس سوى تكرار لما كان يقوله المؤرخون السوفييت لسنوات طويلة ومؤداه أن ستالين سعى بعد التوقيع على اتفاقية ميونيخ في 1938 إلى إقناع فرنسا وبريطانيا بتشكيل جبهة مشتركة مناهضة للنازية في أوروبا، ولكن هذين البلدين نسفا الفكرة برمتها ما دفع ستالين إلى توقيع اتفاقية خاصة مع هتلر لحماية نفسه. وعلى مدار السنوات الماضية سعى زملاء بوتين السابقون في أجهزة الاستخبارات الروسية إلى تكريس هذه الرواية ونشرها على نطاق واسع. وعلى سبيل المثال أفرج الكرملين في 2008 عن وثائق سرية تظهر سعي ستالين للتحالف مع فرنسا وبريطانيا وتقديم عرض يقضي بحشد مليون جندي على الحدود الألمانية لمنع زحفها على أوروبا الشرقية. ولكن المشكلة مع هذه الرواية أنها تتجاهل عن قصد الملحق السري لاتفاقية عدم الاعتداء التي وقعها وزيرا خارجية البلدين، فياتشيسلاف مولوتوف وجوكاييم فون ريبنتروب في 23 أغسطس 1939، وهذا البروتوكول حدد بوضوح «حيز النفوذ» الخاص بالبلدين، حيث قُسمت بولندا ودول البلطيق بينهما ليحصل ستالين على «بيسارابيا» الموجودة حالياً بين أوكرانيا ومولدوفا. وقد كُشفت الوثيقة السرية عندما سلمها دبلوماسي ألماني إلى الولايات المتحدة لتقوم هذه الأخيرة بنشرها في عام 1948، ولكن المؤرخين السوفييت أصروا على التشكيك في صحتها والطعن فيها، بل إن وزير الخارجية السوفييتي، مولوتوف، نفسه ظل إلى غاية وفاته في 1986 ينكر وجود أي ملحق سري للاتفاقية مع ألمانيا. إلا أن هذه السرية التي أحاطت بالبروتوكول رُفعت كلياً عندما أمر أول رئيس روسي ما بعد الشيوعية، بوريس يلتسين، بالإفراج عن الوثيقة الأصلية في 1992، حيث ما عاد يمكن إنكار كون ستالين وهتلر اتفقا معاً على تقسيم بولندا ودول البلطيق بينهما، حتى لو أصر بوتين على غير ذلك. وعلى رغم اتضاح الصورة اختار بوتين طيلة سنواته الخمس عشرة في السلطة العودة إلى الرواية السوفييتية والتأكيد عليها في عملية انتقائية من حقائق التاريخ، وهو ما يتفق مع مقاربته القائمة على إلغاء كل ما لا ينسجم مع نظرته للعالم، مكرراً ذلك في أوكرانيا بنفيه نفياً قاطعاً وجود القوات الروسية داخل الأراضي الأوكرانية. وكذلك تنسحب مقاربة الإنكار وتقديم الروايات البديلة على حادثة إسقاط الطائرة الماليزية قبل عام بشرق أوكرانيا، حيث اتهمت السلطات الروسية القوات الجوية الأوكرانية بإسقاطها في حين تقول كييف إنها أُسقطت بصاروخ روسي كان في حوزة المتمردين الذين يدعمهم الكرملين. وهذا ربما يفسر لماذا تجد المستشارة الألمانية ميركل، المعروفة بصراحتها وطريقتها المباشرة، عنتاً كبيراً في التفاوض مع بوتين، فهي لا تنزعج من ذاكرته التاريخية الانتقائية، ولكنها مجبرة على سماع حديثة كنوع من المجاملة، ولذا كان تعليقها على تصريحات بوتين واضحاً بقولها: «من وجهة نظري من الصعب فهم معاهدة ملوتوف- ريبنتروب ما لم نأخذ بعين الاعتبار الملحق السري». وعلى رغم تبريرات الكرملين المستمرة للمعاهدة مع ألمانيا النازية والقول إنها كانت بغرض حماية الاتحاد السوفييتي، وبأنها جاءت كردة فعل على رفض فرنسا وبريطانيا التحالف مع ستالين ضد هتلر، إلا أن التاريخ يقول إن رفض الغرب التحالف وقتها مع ستالين إنما كان بسبب مطالبه بالحصول على حق مرور قواته عبر بولندا الذي أثار مخاوف الغرب من أنه يرقى إلى احتلال مبطن، وهو بالفعل ما تأكد لاحقاً بعد هزيمة النازية عندما دخلت بولندا مجبرة تحت النفوذ السوفييتي. ------- ليونيد بيرشيدسكي، كاتب روسي مقيم في برلين ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»