خلال أسابيع عدة، توقعت استطلاعات الرأي بأن تكون نتائج الانتخابات العامة التي نظمت في 7 مايو متقاربة جداً، وألا يفوز أي من الحزبين الرئيسيين «المحافظين» و«العمال»، بثلاثمائة مقعد في البرلمان، فما بالك بالمقاعد التي يبلغ عددها 326 والتي تتيح للحزب الذي يفوز بها الحكم من دون الحاجة لعقد الائتلافات مع الكتل البرلمانية. لكن ما حدث يوم الانتخاب، وبالضبط في تمام الساعة العاشرة مساءً بتوقيت لندن، هو أن قناة «بي بي سي» أطلقت خبرها المدهش تحت عنوان «التصويت الإقصائي»، تحدثت فيه عن النصر العظيم الذي حققه «حزب المحافظين» و«الحزب الوطني الاسكوتلاندي» والخسارة المأساوية لـ«حزب العمال» و«الحزب الديمقراطي الاجتماعي» ونسبة التصويت المرتفعة، فيما لم يحصل «حزب الاستقلال للمملكة المتحدة» على مقاعد إضافية في البرلمان. وبعد الإعلان عن نتائج عملية التصويت مباشرة، اجتمعت آراء عدة خبراء استضافتهم قناة «بي بي سي» على أن ما حدث لا يعدو أن يكون خطأً في الحساب. ووعد السياسي المحنك «بادي آشداون»، الذي ترأس ذات مرة «الحزب الديمقراطي الليبرالي»، بـ«التهام قبعته» لو ثبت أن نتائج التصويت صحيحة. وتم التأكد فيما بعد أنها صحيحة بالفعل فيما لا يزال «آشداون» في حالة تردد عن تنفيذ ما وعد به! واتضح في ذلك المساء المثير وغير العادي أن «ديفيد كاميرون»، زعيم «حزب المحافظين»، استطاع تحقيق واحدة من أفضل النتائج في التاريخ الحديث للانتخابات البريطانية. فلقد أسفرت الانتخابات الأخيرة عن فوزه ب331 مقعداً، وهو عدد كافٍ لإقناع ملكة بريطانيا بأن في وسعه تشكيل حكومة من دون الحاجة لنقل أمتعته من «10 داونينج ستريت». وبعد ساعات من إعلان النتائج، أعلن رؤساء أحزاب «العمال» بزعامة «إيد ميليباند» و«الليبراليون الديموقراطيون» بزعامة «نيك كليج» و«الاستقلال للملكة المتحدة» بزعامة «نيجيل فارانج»، عن استقالاتهم الجماعية من أحزابهم. وبالرغم من أن «كاميرون» سوف يستأثر الآن بالأغلبية النيابية، إلا أن هذه الأغلبية ليست ذات حجم كبير، ولن يحتاج بعد الآن للبحث عن شريك لتشكيل ائتلاف معه أو للتصويت معه على مشاريع القوانين التي تثير الجدل عند عرضها على مجلس العموم. وفي الحكومة السابقة التي ما زال يرأسها، كان يحظى بتأييد «الليبراليين الديمقراطيين» الذي مكنوه من الحصول على أغلبية مريحة عند التصويت على أي مشروع قانون في مجلس العموم. أما الآن، وبعد أن أصبح القرار في يده، فقد بات من المتوجب عليه أن يكون أكثر ميلا لاسترضاء الجناح اليميني في حزبه والذي سيطلب منه أن يكون أكثر صرامة مع الاتحاد الأوروبي وخاصة بسبب بيروقراطيته الضخمة والقوية التي تقيم في بروكسل. والتحدي الكبير الثاني الذي سيواجه رئيس الوزراء يرتبط بالعلاقات المثيرة للقلق مع اسكوتلاندا و«الحزب الوطني الاسكوتلندي» الذي ينتظر أن يتقدم بمطالب ضخمة تتعلق بنقل السلطات من «وستمنستر». وهي المطالب التي يرى العديد من الإنجليز أنها ضخمة بشكل مبالغ فيه. ومن المتوقع أن يؤدي منح الامتيازات التسييرية والدستورية لـ«الحزب الاسكوتلاندي الوطني» إلى تقوية المشاعر الوطنية الإنجليزية حديثة النشأة بين أعضاء «حزب الاستقلال للملكة المتحدة». وكان للمشاعر القومية أن تسمح للحزب بالحصول على 4 ملايين صوت. لكن، وبسبب القوانين الانتخابية المعمول بها في بريطانيا، فإن هذا العدد من الأصوات لم يُترجم إلا بحصول الحزب على مقعد واحد في البرلمان الجديد. بيد أن الفكرة التي تدعو لتخفيف العلاقات مع أوروبا وفرض ضوابط أكثر صرامة على الهجرة من أوروبا الشرقية والشرق الأوسط وأفريقيا، سوف تزداد تجذّراً وخاصة منها ما يتعلق بالهجرة غير الشرعية التي ما فتئت تزداد تعقيداً. ويبدو أن من السابق لأوانه القول بأنه إذا ما نجحت حكومة كاميرون المنتظرة في الحكم بفعالية، فإن ذلك لن يحدث في البداية. وذلك لأن تعييناته الوزارية تتضمن عدداً أكبر من النساء والأقليات مما كان عليه الحال في السابق. وسوف يؤدي ذلك إلى المسّ بجوهر الخصوصية التي تتميز بها الطبيعة المحافظة للبريطانيين. ويتوجب عليه التركيز أكثر على تأمين الفرص لذوي الحظوظ والامتيازات المتواضعة من أعضاء المجتمع. لذلك فإنه من الواضح أن تلك الانتخابات شكلت أسبوعاً غير عادي في تاريخ السياسة البريطانية.