كثيراً ما يُتهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وآلته الدعائية باستغلال ذكرى انتصار الاتحاد السوفييتي على النازيين – ربما أكثر حتى من استغلال الحكومات السوفيتية لهذه المناسبة. ولكنني شخصياً، أميلُ أكثر إلى الاعتقاد بأن روسيا خرّت تحت وطأة وثقل ذلك الانتصار الذي تحقق قبل 70 عاماً، انتصار شكّل محاكمة صعبة للمنتصرين بقدر ما كان هزيمة للخاسرين. ولعل أقوى رمز لجهود بوتين هو شريط القديس جورج، باللونين الأسود والبرتقالي. فهذا الشريط حاضر بقوة في روسيا هذه الأيام، حيث يُتم ربطه حول قنينات مشروب الفودكا ومصاصات الأطفال، ويعلق على اللوحات الإعلانية الكبيرة. وقد كان الشريط جزءاً من وسام القديس جورج، الذي أنشأته الامبراطورة كاثرين الثانية عام 1769 كوسام عسكري. وقد أعاد إحياءه ستالين في عام 1942 بهدف توشيح وتمييز وحدات «الحرس» النخبوية في جيشه وقوته البحرية. وفي 2005، اقترحت نتاليا لوسيفا، المديرة في وكالة الأنباء «آر آي إيه نوفوستي» المملوكة للدولة، فكرة تقضي بتوزيع الشرائط على أوسع نطاق ممكن إحياء للذكرى الستين للانتصار على النازيين، وكُلفت المنظمات الموالية لبوتين بتنفيذ هذه المهمة، فأصبحت الشرائط شائعة وواسعة الانتشار. والواقع أنه لم يفاجأ أحد عندما وضع المتمردون الموالون لروسيا في شرق أوكرانيا هذه الشرائط التي ترمز للوطنية الروسية على بذلاتهم، وهذه الشرائط أصبح الأوكرانيون اليوم يطلقون عليها «شرائط كولورادو» نسبة إلى خنفساء البطاطس السوداء والبرتقالية المنتشرة في كولورادو، وهي حشرة ضارة وكريهة. لكن الروس الذين ارتدوا الشرائط وجدوا أنفسهم في متاعب في جورجيا وكازاخستان وبلدان أخرى من الاتحاد السوفييتي البائد يُنظر فيها إلى هذين اللونين كرمز للاعتداء. في استعراض السبت الماضي في موسكو، كانت ثمة الكثير من شرائط القديس جورج احتفالاً بنهاية الحرب العالمية الثانية – وكذا أحدث الآليات العسكرية الروسية - حيث يسعى بوتين إلى تحويل هذا الاحتفال إلى استعراض للقوة الروسية، التي لا تقهر والوطنية الروسية، ولعل هذا ما يفسّر لماذا لم يحضر أي زعيم غربي إلى جانبه في الساحة الحمراء للمشاركة في هذه الاحتفالات. والحقيقة أنه من السهل إلقاء اللوم على بوتين لاستغلاله أعظم انتصار لروسيا في القرن العشرين عبر تحويله إلى وسيلة للبروبجندا. بيد أن بوتين لا يرغم الروس على ارتداء الشرائط أو مشاهدة الاستعراض، مثلما فعل الملايين في الواقع. فالبروبجندا تنتهي عند هذا الحد. والحقيقة أنه قبل بوتين بوقت طويل، كان المعلمون في المدرسة يخبروننا بأن الاتحاد السوفييتي كان سيفوز في الحرب الوطنية العظمى من دون مساعدة من الحلفاء الغربيين. وقبل سقوط الجدار الحديدي وظهور معطيات جديدة، كنتُ أصدق ذلك لأنني، في النهاية، كنتُ أسمع قصص الحرب مباشرة من الأشخاص الذين فازوا فيها. ولأن الاتحاد السوفييتي كان منخرطاً جداً في القتال – فقد نحو 28 مليون شخص – فإن كل عائلة تقريباً كان لديها فرد شارك فيها. وقد كان الأشخاص الذين شاركوا في الحرب يخبروننا - نحن أبناء جيل الستينيات والسبعينيات - أنهم عادوا من الحرب بشعور من الارتياح ولكنهم عادوا أيضاً بشعور بأنهم لا يقهرون. روسيا التي هزمت ألمانيا قبل 70 عاماً، وطن صعب. ونظراً لشعوري بالخجل من جرائمها، السابقة والحالية، فإنني لا أرتدي شريطاً برتقالياً وأسود. غير أنني ما زلتُ أشعر بأنني لم أهزم ولا أقهر. ولا شك أن بروبجندا بوتين تشير إلى هذا الشعور. وعلى أي حال، فإنه شعور سيدوم ويبقى حتى بعد أن يرحل بوتين. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»