في الأيام الأخيرة من أبريل 2015، شهدت بعض عواصم آسيا وأفريقيا اجتماعات تقليدية نسبياً، احتفاء بذكرى عزيزة على شعوبنا هي الذكرى الستين لانعقاد مؤتمر رؤساء الدول والحكومات الآسيوية والأفريقية في باندونج، خلال الفترة من 18-22 أبريل 1955 بضاحية «باندونج» بإندونيسيا. وكانت لحظة عزيزة فعلاً ، حيث اجتمع أقطاب مؤثرون في العالم الجديد، مثل «سوكارنو» و«نهرو» و«عبدالناصر» و«شواين لاي» و«نكروما» مع 29 دولة من القارتين، وهذا ما حاول البعض تذكره في مؤتمرات وندوات انعقدت مؤخراً في جاكرتا ونيبال والقاهرة. وهذه المجموعة التي التقت يوماً ما في باندونج، رغم عدم قوة مركز جميع أعضائها، إلا أنها هي التي أعلنت للعالم عقب الحرب العالمية الثانية، أنها خارج التصنيفات التي اشتهرت: عن «عالم حر» و«آخر شيوعي»، أو «كتلة رأسمالية»، وأخرى اشتراكية، أو الغرب والآخر. كل ذلك أصبح قابلاً للمراجعة بعد عشر سنوات من انتهاء الحرب الكبرى، وظهور نجم آسيا بقطبيها على الأقل: الهندي والصيني، وكذلك نجم أفريقيا بوجود عبدالناصر ونكروما إلى جانب إثيوبيا والسودان (رغم عدم استقلال غانا والسودان بعد). لكن الرسالة بدت أقوى، من باندونج نفسها، حين سعى نهرو إلى عبد الناصر بعد خروج مصر سليمة من العدوان الثلاثي 1956، ليدعو إلى مؤتمر الشعوب الأفريقية الآسيوية هذه المرة، ولتعلن الشعوب وليس الحكومات من القاهرة في أول يناير 1958 عن منظمة شعبية ذات شأن في الحركات الشعبية بالعالم الثالث تحمل اسم "منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية، وتمنحها الدول القيادية في باندونج زخماً فعلياً وبالتعاون مع الاتحاد السوفييتي وقتها، ليبدأ شعار حركات التحرر من الاستعمار، بل والحركات الجامعة في قارة وأخرى.. وكانت آسيا قد انطلقت في الكفاح المسلح في الهند الصينية وفيتنام، كما انطلقت ثورة الجزائر مع ثورة يوليو في أفريقيا. وقد يكون ذلك أعطى زخماً لحركة وحدوية تتحدث عن الآسيوية، كما انطلقت حركات الوحدة العربية، والوحدة الأفريقية، بل وتنظيمات الجامعة الإسلامية. ورغم ما بدا توزيعاً للقوى في مثل هذه الحركات، فقد كانت حركة عدم الانحياز تعبيراً شاملاً عن الزخم الآسيوي الأفريقي، وانضمت إليه روح أوروبية من يوغوسلافيا، وبعض التطلعات من أميركا اللاتينية في كوبا على الأقل. عند تصنيفنا لمعظم ملامح هذه المرحلة نقول: إنها تأطرت في موجة الاستقلال السياسي الوطني، وبقيادات زعماء التحرر الوطني، كنزوع سياسى بالأساس.. ولكن ذلك لم يكن ليصمد أمام قوة الحرب الباردة التي فرضت تبعية من جهة، ونزوع إلى بناء استقلال اقتصادي وتنموي حقيقي من جهة أخرى. ويمكننا القول: إن الانتقال من السياسي إلى الاقتصادي، بعد خيبات أصابت حركة وقيادات التحرر السياسي، جعلت السياسات الاقتصادية التنموية الجديدة تتعرض لمصاعب، أطاحت بالطموحات، ودفعت الجميع إلى مهالك السوق الحرة والسياسات الدولية لصندوق النقد والبنك الدولي، وراحت الطبقات الصاعدة تنفرد بالثروات، وتعزل القواعد الشعبية التي راحت تبحث عن مخارج جديدة في الهجرة، أو التمتع بمظاهر سطحية من منتج العولمة في الأسواق المفتوحة، والتجارة الدولية، والانغلاق في الأقطار، وليس في حركات عدم الانحياز، أو مجموعات التنمية المستقلة. وبانغلاق معظم الشعوب على نفسها، وحالة التفتت التي فرضتها قوة انفراد قيادة العولمة على السياسات الدولية والقُطْرية، راحت الشعوب تبحث عن أصوليات أخرى، أسميناها فترة صراع أو حوار الحضارات، وفترات أخرى بغلبة العنصر الثقافي، والأدلجة الأصولية الانعزالية، التي قادت عدداً كبيراً من القوى المجتمعية إلى التفسيرات الدينية أو الحضارية، مرتبطة بتطرف لم يقدنا فقط إلى التيارات الإقصائية، وانكفاء معظم الشعوب على ذاتها، وإنما تمددت لتصير مشاكل القبول بالآخر بالغة الحدة، فيما يبدو من أزمات الغرب والجنوب معا حول ظروف هجرة العمالة، أو ظهور الحركات الأصولية الدينية الإقصائية بدورها لتصل إلى تبادل مشاهد الإرهاب الدولي الذي نراه. لكن ثمة آثار باقية لروح باندونج لاتغفلها العين، وإنْ لم تكن بخطها الإعلامي القديم عن قوى «الشعوب الناهضة» أو التجمع الآسيوي الأفريقي أو حتى عدم الانحياز. لكنها تبدو في محاولات الانتفاضات الشعبية أو محاولات فكرية لصياغة فلسفة تحركات «جنوب/ جنوب» بين الشعوب البازغة مجدداً مثل الصين والهند وماليزيا وجنوب أفريقيا والبرازيل والأرجنتين. وأصبحت مسميات جديدة محتملة عن التكتلات الإقليمية مثل «بريكس» التي تمتد في القارات الثلاث مبشرة بقدر من الاستقلالية. وثمة أفكار مواجهة لذلك تحاول استمرار أشكال من الاستغلال في أثواب جديدة: مثل دعوات شمال/ جنوب أو التحالفات العسكرية الدولية. ولاأظن ذلك من رياح باندونج. لكني أثق أن الشعوب الجنوبية لابد أن تجد يوماً طريقاً متميزاً يحيي روح باندونج بصور جديدة.