بين الامتثال وعدم الاستساغة يدور العرب في حلقة مغلقة، وذلك عندما يتعلق الأمر بطبيعة العلاقة الإيرانية- الأميركية ومدى التقارب والتباعد بينهما وفق الحوكمة العالمية للتنظيم اللامركزي في السياسة الدولية ونهاية عصر القطب الأوحد المهيمن، وبروز مفهموم تحالف الضربة الاستباقية، وحدوث تحول جذري في مفهوم الحلف، حيث أصبح أكثر مرونة، ويجمد متى ما استدعت الحاجة والعودة من جديد، كما أن شيئاً لم يكن وهي سمة تفوقية للقوة الشاملة لم تكن فاعلة في النظام العالمي القديم. فعولمة المصالح مع الاحتفاظ بمفاتيح اللعبة هي عبقرية أميركا في النظام العالمي الجديد، وخاصة بعد أن أصبح الإعلام بصورة عامة، والعالم الافتراضي أهم عوامل نجاح الهيمنة، فليس هناك طموح استعماري إمبريالي صالح وآخر شرير، ولذلك أميركا لا تسيء فهم العرب، بل نحن من نسيء فهم أميركا وهي سعيدة بذلك. فإذا أخفى الذئب مخالبه بالحرير، فذلك لا يعني أنه لن يأكل فريسته متى ما تمكن منها، ويجب أن ندرك أن كل الشد والجذب بين أميركا وإيران لا أسنان له ومجرد خربشات على جدار الذاكرة السياسية. وعندما يندد ويشجب أي مسؤول أميركي سياسات وممارسات إيران في العلن، يتعاون وينسق معها مسؤول آخر أكبر أهمية في الخفاء، ولذلك ما مدى جدية المخاوف الأميركية حول سعي إيران لتملك أسلحة الدمار الشامل طالما أن ذلك لا يهدد دورها في المنطقة؟ وهل من المعقول أن تصمت إسرائيل عن وجود دولة إسلامية نووية في المنطقة دون أية ردة فعل حقيقة تُذكر؟ فما أكثر التعديلات التي أجريت على خطط تقسيم المنطقة، وخصوصاً الدور الإيراني وتطلعاته، بما في ذلك موقف إيران تجاه العراق وأفغانستان. وبعبارة أخرى، فإن إيران في المنطقة تلعب دور أميركا في العالم، فأصبحت لاتحتاج إلى توضيح التزامها نحو الأمن الدولي والاستقرار في المنطقة. وكل ما هو مطلوب من الولايات المتحدة أن توضح أنها لا تسعى إلى تغيير طبيعة النظام الإيراني، والتزام الحياد العملي في علاقتها مع جيرانها في المنطقة، وتشجيع التطور التكنولوجي السلمي الإيراني وإشراك الشركات الأميركية في الاقتصاد الإيراني. بما في ذلك الإستثمار في رأس المال وتوفير الخبرات اللازمة لقطاع النفط والغاز وإخراج إيران من قائمة الدول الراعية للإرهاب وعدم الممانعة في تعطيل أجنحة العالم العربي وتصدير الأزمات إليه، ونشر أوبئة ولاية الفقيه لإحداث خلل دائم في حوكمة مصالح العالم الإسلامي وفي جانبه السني على وجه التحديد. فمعضلة أميركا كدولة كبرى هي المحافظة على إحتياطي وافر من الطاقة للمستقبل بتكلفة معقولة، فضلاً عن أن إحتياطيات النفط الخليجي أكثر بكثير مما تتوافر لدى بلدان أخرى قد تعتمد عليها الولايات المتحدة كبديل عن النفط الخليجي، لاسيما في وقت الأزمات، لكون الدول الخليجية لديها طاقة إنتاجية لا تتوافر لدى الدول النفطية الأخرى التي تنتج بأقصى طاقتها كلما كان ذلك ممكناً من أجل جني أي أرباح ممكنة، ولذلك الولايات المتحدة، لن تتخلى عن الخليج العربي كمخزون طاقة حيوي. ولكنها ستماطل مع قياداته، وهو على ما يبدو ما أقتنعت به دول المنطقة للتعامل بدهاء وحكمة للخروج من عباءة الحليف الأوحد، كما أعاد بعضهم النظر في علاقته مع بعض الدول، وربما مهادنة جماعات تسييس الدين ودعم المراهقة السياسية، وهي مغامرة لها مبرراتها المنطقية في النص الأول من المعادلة، وأداة لتفريق الصف في النص الثاني وإنتحار سياسي في الجزء الثالث منها. ومن جانب آخر لا يقل تهديد منظومة وعقيدة بيت الحكم في إيران في الوقت الحاضر للأمن القومي العربي عن التهديد الإسرائيلي بعيداً عن نغمة بعض الأخوة في بعض الدول العربية الذين لا يرون في إيران تهديداً مباشراً عليهم، وهم من يتفضلون بالوقوف مع دول الخليج العربي في مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية، التي تواجهها. وفي الحقيقة هم لا يخدمون إلا أنفسهم حفاظاً على مصالحهم وأمنهم القومي، وإستراتيجياً لم يعد لهم خيار غير جدية الاندماج في وحدة تكامل أمني عربي لفك الحصار عنهم من كل الجوانب، علاوة على أن العلاقة الوليدة بين الصين وروسيا وإيران بنكهة إسرائيلية- تركية خلف الكواليس، سلاح تلوح به إيران في وجه الجميع للرضوخ للواقع وسايكس بيكو، بمواصفات خاصة هذه المرة، تجعل حدود الشرق الأوسط أكثر مسامية، ودول جديدة في طور الاستحداث تلوح أعلامها في الأفق قبل الإعلان عنها رسمياً.