للأحزاب السياسية المحافظة في الدول الغربية مواقف متباينة في مجال السياسة والاقتصاد والمجتمع والتربية والتعليم، ونذكر هنا على سبيل المثال حزب المحافظين في بريطانيا، والحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، والحزب الليبرالي في أستراليا، والحزب الديمقراطي الليبرالي في اليابان.. ولكن التوجه المحافظ لتلك الأحزاب يبقى متشابهاً من حيث تحقيق التوازن في القرارات وتجنب التطرف والنفور من التغيير السريع وغير المدروس.. والمصطلح عرف تميزه في بداية القرن التاسع عشر من قبل «فرانسوا ريني دي شاتوبريان» خلال حقبة استعادة أسرة «بوربون» التي حاول فيها بعض الفاعلين دحر سياسات الثورة الفرنسية، ثم أصبح المصطلح لصيقاً بالسياسة اليمينية. ولعل أشهر الأحزاب المحافظة في الغرب على الإطلاق هو حزب المحافظين في بريطانيا الذي عرف في القرن السابع عشر باسم «توريز» واشتهر بتأييده للملكية والدفاع عنها خلافا لحزب «ويجز» الذي استطاع الهيمنة على المجال السياسي البريطاني على مدى القرن الثامن عشر.. وعلى رغم توجهه المحافظ الرافض للتغيير فقد تبنى مبكرا حرية التجارة وتشجيع القطاع الخاص وعدم التدخل فيه، وانتقل من تمثيله للطبقة الغنية والأرستقراطية إلى مختلف الطبقات الوسطى والفقيرة مع مرور الوقت.. وفي تاريخ الحزب اكتسب رئيس الوزراء وينستون تشرشل صفة أعظم زعماء المحافظين عندما قاد حكومة وحدة وطنية وتولى قيادة المواجهة ضد ألمانيا. وصارت أيضاً مارجريت تاتشر في عام 1979 هي أول سيدة تترأس حكومة بريطانية محافظة، وكانت معروفة بقدرتها على استمالة عدد من قادة أوروبا في العديد من القضايا الساخنة، وهو ما منحها صفة المرأة الحديدية. وقد منح البريطانيون منذ أيام فوزاً ساحقاً لحزب المحافظين وزعيمه رئيس الوزراء الحالي ديفيد كاميرون، وهو الفوز الذي فند كل نتائج الاستطلاعات التي أجرتها أعرق مؤسسات استطلاع الرأي في بريطانيا. ومن بين أسباب هذا الفوز نجاح المحافظين في سياساتهم الاقتصادية خلال سنواتهم الماضية، وقد أخرجت بريطانيا من أزمة الركود التي عرفتها أوروبا منذ سنة 2008، وأضحت هي الدولة الأكثر نمواً في القارة. ثم هناك في نظري أيضاً نضج فكري لدى الناخب البريطاني- خلافاً لنظيره الفرنسي- الذي لم ينسَ سنوات حكم العمالي توني بلير وخليفته غوردن براون، فالأول جر بريطانيا إلى ساحات الحروب في العراق وأفغانستان، والثاني فشل في حل الأزمات التي لحقت بالاقتصاد البريطاني في آخر سنوات حكم العمال. والمحافظون عادة أناس تقليديون ويمينيون، ولكن مع ذلك تكيفوا مع الزمن وأهله، ووضعوا أولويات المجتمع في مقدمة اهتمامهم: الاقتصاد والتربية والتكوين والصحة وتنمية المجتمع... وليس هناك عيب أن يكون الحزب حزباً محافظاً يمينياً حتى النخاع، ما دامت القوة الفكرية المحركة هي العقل.. فالحزب عموماً كيان مجتمعي وسياسي يبلور المطالب المجتمعية إلى مطالب سياسية ويبحث لها عن حلول قانونية وتنموية وتنفيذية داخل دواليب مؤسسات الدولة من حكومة وغيرها.. وهناك أحزاب أخرى في المعارضة تتربص به الدوائر، تنتقد سياساته المتبعة وتعرض حلولاً وبدائل، بل وقد تأخذ مكانه في الانتخابات إذا اقتنع الناخب بذلك.. وهذه هي التمثيلية الحزبية العقلانية داخل المجال السياسي العام وهي الديمقراطية الحقيقية. فلا عيب أن تكون في المجال السياسي العام أحزاب ذات توجهات تقليدية محافظة، ولكن بفكر مستنير وبنخب ثاقبة الذهن والفكر، تستبطن مفهوم الدولة والمؤسسات.. وأقول كل هذا الكلام لعل وعسى أن نسمع يوماً من الأيام أن حزباً إسلامياً في الوطن العربي تحول إلى حزب محافظ تاركاً زج الدين في السياسة والسياسة في الدين جانباً... فالأحزاب الإسلامية تتفرد على حد تعبير الأستاذ عبدالإله بلقزيز باستثمار الرأسمال الديني حيث «يتعلق الأمر بالرموز الدينية الإسلامية المستدعاة لخلق المشروعية الدينية على المشروع السياسي الحركي الإسلامي مثلما يتعلق بالنجاح في مخاطبة الذهنية الشعبية العامة المتمسكة بالرمز الديني، وهو ما فعلته الحركات الإسلامية منذ ثمانية عقود، لا ينفصل عن إدراكها لطبيعة تلك الذهنية العامة السائدة لدى الأغلبية الساحقة من الشعب». فترك استثمار الرأسمال الديني داخل حلبة الصراع السياسي وفي المشروع الفكري للأحزاب الإسلامية وتحولها باقتناع سيخرج المجال السياسي العربي من غيابات الجب وسينجيها من صراعات لا متناهية وأتون لا تخمد وتخلف حضاري خطير يؤدي ثمنه في الأخير الإنسان العربي.