هل من حرية حقيقية في صحافة اليوم؟ وهل يمكن الاستناد إلى حرية الصحافة؟ هذه الحرية يصعب تصديقها، ليس لأن الحكومات تمارس تعتيماً، أو لأن البعض يحاول بث أجواء القلق والحصار، ولكن لأن أصحاب المهنة ترجلوا من مكانهم وعاثوا فساداً فكرياً، وهؤلاء بعضهم يطلق «رصاص التصنيف»، وكأن ما من أحد بقادر على أن يؤمن بفكرة ما تناهض ما يعتقدونه ويعتبرونه صحيحاً. وليس أكثر من يفسد الحكومات ويسيطر لهدم بناها من بعض المدعين زوراً بالفكر والصحافة، والمتشحين زوراً بتراكم ثقافي تاريخي. هذا التصنيف المسبق قائم على جلد الآخر وتحويله إلى متهم دون أن يثبت العكس، فالعكس غير متوافر ولا حتى لانتقاد آخر.. والإقصاء والتصنيف وكل القلق أدى إلى تحول في مسار الصحافة، تحول للخلف قد يسفر عن فقدان مقوم أساسي، وهو احترام أفكار الآخرين ومعتقدهم الديني أو السياسي. ليس من حق أي كان مصادرة آراء الآخرين، وحتى الإسلام لم يلزم أحداً بالدخول فيه، ولم يجعله الله ديناً إجبارياً ليُكرِه الناس عليه، فكانت قاعدة « لكم دينكم ولي دين» هي مفصل القناعات التي قامت عليه الدعوة. فما بالك بكل هذا الإسفاف الذي يمارسه البعض في حق غيرهم ويجعلون لهم عناوين كأن لا أسماء لهم. فكيف لنا أن نطالب بحرية الصحافة ونقول للحكومة إن للصحافة حقوقاً مختلفة، وإذا كان بعض الكتاب والصحفيين هم من يمارسون القهر والاحتكار، ويمارسون تعتيماً ضد أضواء الآخر، فالمطالبات إذا لن تكون ذات معنى. العقلية التي تقابل الآخر وفق أهوائها عقلية غير مدركة لحقيقة أن الحياة لا بد لها من الاختلاف حتى تتعدد الألوان ويصير للمذاق أصداء متعددة، وأيضاً حتى تتوافر فرصة للاختيار. فالطابور الصباحي الذي يسعى أمثال هؤلاء لممارسته لن يكون واقعاً إلا في مدارس نظامية قادرة على ضبط طلابها لوقت قصير، أقصر مما يمكن توقعه. علينا أن نطالب بتحرير العقول، أي بفك أسر العقل من حصار الآخر، ومن التسويغ للإقصاء والاضطهاد لمجرد اختلاف فكري فقط؟ فمتى تحررت العقول، وأقرت بأهمية الاختلاف، وأدركت قدرته على إثراء الواقع، ستكون هناك بالضرورة حرية صحافة، وقتها سنحتفل بالحرية غير المسيئة وغير المحاطة بالمصلحة، ولا حتى المتوجسة والخائفة من الجهر بالأفكار.. فالأفكار طيور محلقة في سماوات سبع. ولا يوجد في الماء أسوار، الأسوار فقط في عقولنا!