يتجاهل البعض التداعيات السياسية التي عصفت بالمنطقة العربية خلال السنوات الماضية، والتي أدخلت بعض الشعوب العربية في مرحلة من الفوضى لاتزال آثارها السلبية مستمرة. وإذا كان البعض في الشرق أو الغرب يبحثون عن سر الحضور السياسي القوي لدولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج عموماً على المستوى الإقليمي والدولي، فإن الجواب بسيط: لدينا في الإمارات ومنظومة دول التعاون من الاستقرار الداخلي ومن تأمين الحياة الكريمة لشعوبنا ما يجعل قادتنا يبذلون جهودهم بهدف ضبط الإيقاع في المنطقة، وقطع الطريق أمام أي خطر يهدد أمن الخليج، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه في الدول التي تتعرض لنكبات تفتح مجالا لتدخلات خارجية تهدد الأمن القومي العربي. ولدينا في الخليج من روح المسؤولية ما يجعلنا نقف إلى جانب أشقائنا، سواء في مصر أو اليمن أو سوريا أو ليبيا أو تونس، أو أي بلد عربي آخر. ويوماً بعد آخر تزداد مسؤولية دول الخليج ومساعيها لدعم الاستقرار في محيطها الإقليمي، سواء عبر الحضور الفاعل على المستوى الدولي، أو عبر المساعدات والجهود والخطوات العملية، كما هو الحال في المهمة الاضطرارية لإنقاذ اليمن، من محاولة طرف مسلح ابتلاع المؤسسات الشرعية، في بلد يمر من الفوضى إلى الاستقرار وبناء الدولة. لقد كان التنسيق بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وجميع دول الخليج يتم على أعلى المستويات في كافة المراحل، ولايزال الصوت الخليجي واحداً تجاه دعم الأشقاء في مصر، والوقوف إلى جانب الشعب السوري في محنته، في ظل تلاعب دولي وتوازنات تحدث على حساب دماء السوريين الأبرياء. وبعد كل قمة تجمع قادة دول الخليج يتأكد لنا أن الحضور السياسي القوي لدولة الإمارات ودول التعاون الخليجي، يتأسس على المواقف الحازمة والصادقة التي تنحاز لدعم الاستقرار في المنطقة، وعدم السكوت على أي تهديد للأمن الخليجي والعربي عموماً. ولعل ما يؤكد هذا النهج ما جاء على لسان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وذلك أثناء استقبال سموه لنائب رئيس الجمهورية رئيس الوزراء بالجمهورية اليمنية، حيث قال سموه: «إن النجاح في اختبار الأزمة اليمنية لا بديل عنه، وهو خيارنا الوحيد لأجل بلدان الخليج ولأجل اليمن، وإن التحدي مهما كان صعباً فنحن قادرون عليه، لأن البديل منطقة مضطربة وتهديد مستمر للخليج وأمنه واستقراره من خلال يمن ممزق ومنقسم». وأكد سموه «أننا ومن واقع عروبتنا علينا جميعاً أن ندرك أن صيانة الفضاء العربي بعيداً عن التدخلات والمطامع هو مكسب مشترك علينا أن نسعى إليه مجتمعين». وغير بعيد عن مسار الحضور الإماراتي والخليجي القوي في المشهد السياسي الإقليمي والعالمي، جاءت زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أواخر الشهر الماضي للولايات المتحدة ولقائه بالرئيس الأميركي باراك أوباما، في إطار التحضير لقمة كامب ديفيد المرتقبة بين قادة دول الخليج وإدارة البيت الأبيض، وكان سموه قد أبدى ارتياحه لنتائج الزيارة وأعرب عن تطلعه لمواصلة المناقشات مع الرئيس الأميركي وبقية قادة دول مجلس التعاون الخليجي في القمة المنتظرة. جهود الإمارات كانت حاضرة أيضاً في إطار الترحيب بالانفتاح الفرنسي على الخليج، وترجمت الإمارات ذلك عبر لقاء القيادة الإماراتية بالرئيس الفرنسي الذي حضر القمة الخليجية، وعبر اللقاء بوزير الدفاع الفرنسي. ويمكن القول إن التحركات الخليجية إنما تعبر عن ثوابت أصيلة تعكس انتماء الخليج لمحيطه العربي، وتثبت حقه المشروع في الدفاع عن الأمن القومي العربي. وعلى هذا الأساس تنطلق الإمارات في مواقفها من هذه المرجعية التي توحد الخليج وتربط بين مصالحه وتطلعاته المستقبلية. وإجمالا يبقى الخليج أكثر حضوراً في تحليلات الصحافة العالمية، وهناك انشغالات إعلامية تتحدث عن محور خليجي فرنسي وتوجه لتنويع مصادر السلاح، وتحليلات أخرى تشطح بالقول إن العلاقات الخليجية الفرنسية باتت حدثاً استثنائياً وتنويعاً لشركاء الخليج.. ونرد بالقول إن دول الخليج حاضرة بقوة اقتصادها وانفتاحها على العالم، كما أن علاقاتها الدولية ومصالحها بعيدة عن الارتهان الأحادي لهذا الطرف أو ذاك. --------------------- *كاتب إماراتي