قال الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي، ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الإمارات العربية المتحدة لنائب رئيس الجمهورية اليمنية ورئيس وزرائها خالد بحاح إنه لابد من النجاح في اليمن لمصلحة الاستقرار والتماسك والشرعية، وحماية الخليج والعرب من الأطماع الإقليمية. إن مما لا شكَّ فيه أن العرب، دولا ومجتمعات، يتعرضون لتحديات خارجية كبيرة من الخارج الإقليمي والدولي. فالسياسات الأميركية خلال عقد ونصف تراوحت بين نقيضين، كلاهما ما كان لصالح العرب. السياسة الأولى أيام الرئيس بوش الابن، وهي تتخذ سبيل الحرب الدائمة على خصوم الولايات المتحدة، وبخاصة الإرهاب الإسلامي. وبمقتضى هذه السياسة احتلت أفغانستان والعراق، ونشرت أساطيلها وقواعدها حول العالمين العربي والإسلامي، ومضت باتجاه التعاون الأوثق مع إسرائيل وتركيا وإيران، لمواجهة التطرف العربي، والخلاص من الحكومات والأنظمة العربية العاجزة أو الاستبدادية أو الأصولية! ولأن هذه السياسات كلّفت الأميركيين الكثير، ولم تُظهر نجاحاً بارزاً؛ فإن مرشح الحزب الديمقراطي باراك أوباما هزم مرشح الحزب الجمهوري بدعاية مناقضة: إنهاء حروب أميركا مع الخارج وبالخارج. لكنك عندما تنسحب من منطقة احتللتَها فلابد من الحرص على أن لا يخلفك فيها خصومك الذين من أجل طردهم كنت قد دخلت إليها(!). ولا تنتهي القصة الأميركية مع العرب باحتلال العراق وإعطائه لإيران بالطبع؛ لكنْ لننظر فيما قصده ولي عهد أبوظبي بالمطامع والأطماع الإقليمية. ما عاد العرب إلى العراق بخروج أميركا منه. وكانت إيران قد استولت على السلطة في لبنان، وتحكمت بمفاصل القرار العسكري والاستراتيجي في سوريا. وما حاول العرب الخليجيون مواجهة إيران أو أميركا بالعراق، لكنهم حاولوا المساعدة في الحفاظ على التماسك والاستقرار بلبنان وسوريا. وما نجحت محاولاتهم لأن إيران صارت لها جماعات مسلحة. أما تركيا فإن أردوغان اعتبر أنه بين خيارين: أن يكون ذيلا لأوروبا، أو أن يكون رأساً في المشرق! وسرعان ما استعاد العثمانية، وراح ينافس إيران ويحاورها دونما اعتبار للعرب. وقد سمعته عام 2012 يقول كلاماً معناه أنه زعيم السنة بالمنطقة، وخامنئي زعيم الشيعة، وهما سيجدان الحلول المُرْضية لكلّ الأطراف! إنّ هذه الحالة من الاستقواء الإيراني والتركي من جهة، والإعراض الأميركي، والاستضعاف العربي من جهة ثانية، أَوصلت إلى ما سمّاه وزير الخارجية السعودي السابق الأمير سعود الفيصل: الخواء الاستراتيجي العربي. وقد اعتبر في مؤتمر القمة بسرت عام 2010 أن هذا الخواء مُهْلِكٌ لأنه يُحدث تواطؤاً بين التطرف والإرهاب، ومطامع دول الجوار على الدول والمجتمعات! وكان لهذه الهشاشة أربعة أسباب على الأقلّ. والسببُ الرابع الذي أعنيه- إلى جانب الضعف في الأنظمة، والهجمة الإقليمية، والانسحاب الأميركي- هو الهشاشة المجتمعية والسياسة العربية. لقد كنا نضرب المثل بالتماسك الفلسطيني في وجه العدو الصهيوني رغم الخلافات السياسية والأيديولوجية الكثيرة بين الفصائل. وما استطاع حافظ الأسد ضرب منظمة التحرير إلا عند بعض الهوامش والحواشي. وكذلك الأمر مع معمّر القذافي. لكن ما لم تستطعه الأنظمة العربية، استطاعته إيران عبر «الجهاد الإسلامي» وعبر «حماس». وهكذا ظهرت هوة عميقة طلعت منها هشاشات اجتماعية وسياسية قاتلة. وما ظهر ذلك في المجتمع الفلسطيني وحسْب عبر العامل الإسلامي؛ بل ظهر في مجتمعات عربية أُخرى مثل مصر وليبيا وسوريا ولبنان والبحرين وتونس واليمن! ففي كل هذه البلدان قامت جماعات باسم الإسلام السياسي أو الجهادي أو المتشيّع لولاية الفقيه، فقتلت وخرّبت. والأفظع من ذلك أنها لم تجد مقاومة مجتمعية أو صموداً. والذي أراه أنه لا دواءَ لهذه الهشاشة إلا القيادة: من يقرع الجرس، ومن يحمل اللواء؟ لقد بادرت دول الخليج وفي المقدمة السعودية والإمارات. وظهر لأول مرة رأي عام عربي داعم للمبادرة والمشروع يتصديان للهشاشة. وننجح في اليمن، فنمضي لاستعادة الزمام في سوريا والعراق وليبيا. وستزداد الضحايا والتضحيات، لكن الشهيد أفضل بما لا يقاس من الضحية، والحي الكريم المقيم أفضل بما لا يقاس من المهجر الذليل أو الهارب الغارق في أمواج البحر! ----------------- *أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية