عادت إلى الواجهة من جديد واقعة الرسومات المسيئة لرسولنا محمد عليه السلام، من خلال معرض أُقيم مؤخراً في مركز المعارض بمدينة دالاس التابعة لولاية تكساس الأميركيّة. وكان المعرض يتضمن مسابقة لرسوم كاريكاتوريّة له، بحضور السياسي الهولندي المعادي للإسلام "غيرت فيلدرز"، الذي كان اسمه مدرجاً ضمن المتحدثين هناك. المسابقة نظّمتها (المبادرة الأميركيّة للدفاع عن الحريّة)، من منطلق حقّها الكامل لممارسة حريّة التعبير حتّى وإنْ كان فيها جرح لمشاعر المسلمين. وهي منظمة معروفة بمواقفها المعادية للإسلام، وقد خصصت عشرة آلاف دولار لأفضل عمل فنّي أو رسم كاريكاتوري عن الرسول محمد، إضافة إلى تخصيص 2500 دولار لجائزة اختيار الناس. قمّة الوقاحة! ولو خاطرت منظمات غربيّة باسم حريّة التعبير، في الدفاع عن حكم النازيّة، أو شككت في أعداد ضحايا المحرقة من اليهود، لقُدّم أفرادها للمحاكمة بحجّة معاداة الساميّة! ولكن هذا ليس موضوعنا اليوم بل في الذي حدث بعد ذلك! في حفل افتتاح المعرض، قام مسلحان مسلمان أميركيا الجنسيّة، ينتميان لإحدى الجماعات الدينيّة المتطرفة، بمحاولة اقتحام المركز بسيارة مفخخة، ونجحت الشرطة الأميركيّة في قتلهما، وتمَّ على الفور إخلاء المبنى من الناس. وقد علّقت المنظمة المسؤولة عن المسابقة بالقول "هذه حرب على حريّة التعبير. ما الذي نفعله؟ هل سنستسلم لهؤلاء الوحوش؟". التعرّض لنبينا وتشويه صورته بالمجتمعات الغربيّة، مباح باسم حرية التعبير! كأن كل قضايا العالم أصبحت معلّقة في رقبة ديننا! ولكن هل هذا يُعطينا الحق في التعبير عن اعتراضنا بوسائل العنف؟ كأننا نتعمّد أن نقول جهاراً بأننا لا نتقن سوى لغة القتل في التنفيس عن غضبنا، واحتجاجنا على ما يحدث من تجاوزات. كنتُ مؤخراً في زيارة لمدينة برلين الألمانيّة. وحرصتُ على الذهاب لنقطة التفتيش التي كانت تفصل بين برلين الشرقيّة وبرلين الغربية، وزرتُ موقع الحائط الذي تمَّ بناؤه بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالميّة الثانية، وأصبح اليوم من ركام الماضي. كل ما حول الألمان يُذكّرهم بآلامهم، بدءاً من التذكارات الصغيرة التي تُباع في المحال كأحجار صغيرة من الجدار المهدوم، ومروراً بالجداريّة الكبيرة التي تصوّر آلاف الجرحى من المدنيين إبّان الحرب، ونهاية ببوابة الحرية. كل شيء موثق على ما اقترفته أيدي ساستهم، وجعلت الشعب الألماني يدفع أثماناً باهظة على مدى عقود طويلة. ليس هذا فحسب بل لاحظتُ اعتزازه بثقافته وتوثيقها من أجل الأجيال الجديدة، كي تشبُّ على معرفة تاريخها بجانبيه السلبي والإيجابي. وقد لاحظته عند زيارة (بيت الفيلم)، وهو مبنى رائع من أربعة طوابق، يُبيّن تطوّر صناعة السينما في برلين بشقيّها السابقين، منذ بداية الفيلم الصامت لحد اليوم، مع ذكر مفصّل لأهم الأفلام واسماء مبدعيها ومخرجيها وفنانيها. نحن للأسف لا نُجيد لا هذا ولا ذاك! ولو قامت مؤسساتنا الحكوميّة بتوثيق أخطاء حكّامنا العرب وعرضها في متاحف، وجعلناها عبرة للأجيال الصاعدة لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه! التذكير بويلات الماضي يجعل النشء القادم يُدرك فداحة ما صنعته أيدي أجداده، وبالتالي تجعله يتأنّى في اتخاذ قرارات مصيريّة قد تضر بشعبه حين يُمسك دفّة القيادة. هذا لا يحدث في أوطاننا، كأننا أمّة لا زمرة أخطاء لديها، ومسؤوليها معصومون من الذنوب! لذا تُصر الجماعات التكفيريّة على التعبير عن احتجاجها بالمدفع والبندقية، كونها لا تُجيد لغة التوثيق، ولا تعترف بأهميّة الحوار! بعكس اليهود الماهرون في التغنّي بمآسيهم، وتصوير فداحة ما حدث لهم على أيدي النازيّة، لذا نجد الكفّة تميل لصالحهم دوماً! مقارعة الحجّة بالحجّة هي الأداة الحقيقيّة لإظهار نصاعة ديننا وحسن نيّتنا.