الطفرة التنموية والنجاحات الاقتصادية التي تعيشها دولة الإمارات العربية المتحدة في هذه المرحلة من تاريخها المجيد تتزامن مع تطور عالمي لافت للنظر في مقولات وممارسات العولمة الحديثة وحالياً تتمتع دولة الإمارات بفائض من رؤوس الأموال غير المستثمرة تحتاج إلى طرق مبتكرة واستغلال للفرص العالمية المتاحة لكي يتم الاستفادة منها بطرق مثالية. وتعيش الإمارات في عالم يشهد انفتاحات كبرى بين دوله على جميع الصعد، فعالم اليوم يتسم بإزاحة عوائق الحدود القديمة والتعرفة الصناعية صارت منخفضة كثيراً. إن هذه المعطيات جميعها تفتح أبواباً واسعة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. طرحنا السابق ينطلق من أن عمليات الخصخصة وتحرير الأسواق الرأسمالية والمواقف المفتوحة تجاه الاقتصاد العالمي ومظاهر العولمة الحديثة بكافة أشكالها ساعدت على تغذية التغيرات العالمية الجارية في عالم اليوم، ومهدت الطرق أمام الأهمية المتزايدة من التطورات الجديدة على صعيد التجارة العالمية. لذلك فإن الإمارات تستطيع الآن تأسيس الشركات الكبرى القادرة على الاستثمار الخارجي، وهي لديها العديد منها حالياً، فهذا النوع من الشركات والمؤسسات العابرة للحدود مهمتها القيام بنشر شبكات الملكية والمنافسة والتعاون الدولي بحيث تقوم بإسناد المحاولات الوطنية لإقامة شراكات قوامها إنشاء الأعمال العالمية وإدارتها بنجاح. وهذا النمط من الاستثمارات العالمية الخارجية ليس بالأمر الجديد، فالظاهرة منتعشة منذ الطفرة التي شهدها الاقتصاد العالمي في أعتاب الحرب العالمية الثانية، وهي مستمرة حتى هذه اللحظة. ما تستطيع جهات الاستثمار الكبرى في دولة الإمارات القيام به هو تنفيذ موجات ذات أهداف محددة من الاستثمارات عابرة للحدود عن طريق الدخول إلى أسواق دول أوروبا وآسيا بشكل مكثف بالإضافة إلى دول أفريقيا - وإن كان ذلك بحذر شديد نظراً لما تعانيه دول القارة الأفريقية من قلاقل سياسية واضطرابات أمنية ومظاهر فساد مالي وإداري توجب التوجه إليها بأناة شديدة المال يبحث بشكل أزلي عن المناطق الآمنة لكي يتوجه إليها. هذه التوجهات الاستثمارية يمكن أن تكون في صيغ شتى قوامها ضخ تدفقات استثمارية تعمل على تفعيل القطاعات المهمة التي لنا مصالح طويلة الأمد في تفعيلها وذات العوائد المجزية على المديين المتوسط والبعيد، عن طريق تأسيس المشاريع الجديدة؛ وعمليات الاندماج مع القائمة، وشراء المشاريع المتعثرة بغرض إنقاذها؛ وفي حالات خاصة تأسيس المشاريع المشتركة. وقد تبدو العملية صعبة ومعقدة للوهلة الأولى، لكن أمور الاستثمار الناجح دائماً ما تبدأ بصعوبة، وربما تلاقي أمامها في بداية الأمر كتلا من المشاكل، لكن يمكن للإمارات الاستفادة كثيراً من تجارب الآخرين على هذا الصعيد، خاصة تجارب الولايات المتحدة في أوروبا الغربية وأميركا اللاتينية. وما يجعل المرء يميل إلى افتراض أن إمكانيات النجاح أكبر من إمكانيات الفشل هو أن تدفقات رؤوس الأموال ما بين الدول تحدث الآن بحرية أكبر، وأن العديد من الأقطار النامية ترحب بالمستثمرين الأجانب لكي يقوموا بتأسيس وتشغيل الأعمال عن طريق منحهم تسهيلات كبرى وسن القوانين التي تحفظ رؤوس أموالهم وتحويل أرباحهم إلى الخارج. وجدير بالذكر أن التدفقات الخارجية للاستثمار الأجنبي المباشر زادت سرعتها منذ بداية القرن الجديد أربعة أضعاف سرعة نمو المخرجات العالمية، وأن الاستثمار الأجنبي المباشر أصبح من أهم وسائل الاندماج الاقتصادي العالمي. لذلك، فإن الإمارات تستطيع الاستفادة من هذا الزخم الحاصل في الاستثمارات الخارجية العالمية وتحقق مصالحها على هذا الصعيد كإحدى وسائل تنويع مصادر الدخل الوطني بعيداً عن قطاع النفط.