حسناً فعل عصام الخفاجي بأن عرّب كتابه «ولادات متعسرة- العبور إلى الحداثة في أوروبا والمشرق» الصادر أصلاً بالإنجليزية. فبفعله هذا أضاف الخفاجي، العراقي الجنسية والأكاديمي المقيم في هولندا، عملاً مرجعياً بارزاً إلى المكتبة العربية، عملاً يسمه ويخترقه جهد بالغ الجدية من صفحته الأولى إلى صفحته الأخيرة. وأغلب الظن أن رهان الكاتب نجح فعلاً في نقد الفرادة والتفرد اللذين تزخر بهما دراسات تاريخية واجتماعية شتى صدرت في العقود القليلة الماضية، أكان فيما خص تناوله المسيرة الأوروبية الناجحة نحو الحداثة، أو ما خص تناول المسيرة/ المسيرات العربية المعاقة أو المتعثرة. فهو يرى أن «الكثير من التوجهات الثقافوية، بل العنصرية، التي انتشرت في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، باتت تُستنسخ من قبل المدافعين عن الإسلام أو الهندوسية أو البوذية أو غيرها ممن استمدوا ذخيرتهم من عمل إدوارد سعيد "مبرهنين" بفضله على أن ثمة بالفعل عدواً عِرقياً أو دينياً اسمه الغرب، وأن الدفاع عن هوية المرء يمر عبر تبيان خصوصية الآخر وفساده كنظام وكمنظومة قيم». وفي هذا الإطار يحتل الإسلام السياسي موقعه في دائرة أعرض منه كثيراً، إذ «أدت أجواء الحرب الباردة إلى تحويل الصراع الأيديولوجي بين اليسار واليمين إلى صراع جغرافي وإثني. فقد أخذ ماركسيو المشرق، الذين حظوا بشعبية هائلة في إيران والعراق ولبنان وسوريا حتى نهاية ستينيات القرن العشرين على الأقل، ينتقلون تدريجياً (ومن غير تخطيط مسبق على الأغلب) من مهاجمة الرأسمالية إلى مهاجمة "الغرب". وهيأ تاريخ مؤلم من نهب وعدوان وإذلال الاستعمار والإمبريالية الغربية تربة خصبة للماوية»، وهي «فكر يزيح عن اليسار همّ الاتهام بالعنصرية حين يضع الأمم الفقيرة في مواجهة الأمم الغنية». وعلى غرار ما فعله «شترايسر» الألماني في التنظير لأمة ألمانية هي كلها بروليتارية تستغلها الأمم البورجوازية، ذهب الفكر القومي العربي، ولاسيما منه البعثي، إلى توحيد شعبوي فج بين القومية وما يسميه اشتراكية. ولئن توقف الخفاجي خصوصاً عند نظريات التخلف والتنمية، لم يردعه عن ذلك أن تلك النظريات غدت عتيقة ومتقادمة، إذ إن هذا التقادم لم يحل -كما رأى بحق- دون راهنية تأثيرها على مثقفي منطقتنا العربية، خصوصاً على تأويل منطقتنا وتعقل تاريخها. بيد أن المؤلف إذ يقدم مئات الحجج النافية لنظرية الاستثناء، والمتصلة بعدد من بلدان أوروبا والشرق الأوسط، لا تقوده حججه إلى تغييب المسار الانحداري الذي عرفته منطقتنا لأسباب ملموسة يتصدرها عدم عبورها إلى الرأسمالية، من دون أن تكون لها البتة أي صلة بثنائية الشرق- الغرب أو ما يعادلها من ثنائيات. وضداً على روايات فقيرة سائدة يبرهن المؤلف كيف أن المشاعر المناهضة للاستعمارين القديم والجديد لم تكن كافية لكي تلعب «دوراً حاسماً في رص وحدة سكان المشرق. فإنها لم تؤد يوماً إلى سيادة الأيديولوجيات القومية على أبناء الشعب الواحد، كما تبين حالتا إيران والعراق متعددتا القوميات». وبالمعنى نفسه، فلئنْ تدخّلت الدول الرأسمالية المتقدمة بعد الحرب العالمية الثانية «بهدف إعادة هيكلة اقتصاداتها ونجحت في ذلك إلى حد كبير»، فإن التدخل الأكبر لكثير من دول العالم الثالث لم يؤد «إلى التخفيف من حالة التخلف (...) وعليه فليس تدخل الدولة بحد ذاته تفسيراً لعدم صعود الرأسمالية الصناعية في المشرق». وليس من المبالغة القول إن من تابع هذا اللون من الكتابات والتآليف، منذ أواخر الستينيات، يقع في كتاب عصام الخفاجي على نقد لمنظومات مديدة وكثيرة من المعارف التي تمت مداورتها على مدى العقود الماضية. يتم هذا عبر ماركسية سوسيولوجية رحبة ومتفاعلة بانفتاح مع سائر المدارس السوسيولوجية. فإذا ما وضعنا، هنا، «الماكرو» جانباً، وتوقفنا عند الفوارق، المقيمة في بنية النص التحتية، لابد أن تستوقفنا إشارات، موسعة أو مقتضبة، كعدم نشوء التشكيلات الاجتماعية عن فراغ، وعلاقة التبادل بين الخارجي والداخلي فيها، وكيف أن المواطن الفرد متأثر في ولادته بالتمفصل بين بنية الأمة والرأسمالية أكثر منه بنشأة «الأمة» ذاتها، ودور المستوى المعرفي للجماعة في رسم حدود الإبداع والاختراع والقدرة على جعل الأفكار والتصورات واقعاً، واختلاف الموقع الاستراتيجي للدول وتأثيره على أنماط الإنتاج، ودور وعي الطبقات الحاكمة بضرورة أو عدم ضرورة المؤسسات. ويوحي كتاب «ولادات متعسرة»، بعد الفراغ منه، بأن خلاصاته العامة تصلح مقدمة كبرى لعمل آخر عن المشرق العربي، أو ربما عن العراق، تستوحي تلك الخلاصات و«تطبقها». وفي الحالات جميعاً، فمع «ولادات متعسّرة» غنمت المكتبة العربية الفقيرة كتاباً بالغ الغنى.