تتعثر محاولات التغيير للواقع الاجتماعي العربي الحديث والمعاصر نتيجة اصطدامها بقضية التراث كمخزون نفسي عند الجماهير. فيحاول البعض التغيير بالتكالب على قيم التراث القديم، والرغبة في تحقيقها ككل، واعتبار الواقع كما لو كان عالماً حدياً إما أن يتقبل هذه القيم ككل، أو يرفضها ككل. فإذا قبلها فهو مجتمع سليم، وإن لم يقبلها فهو مجتمع غير سليم، من وجهة نظره. وقد تتعثر هذه المحاولات للأسباب الآتية: 1– سيادة النظرية الثيوقراطية على الفكر النظري، ولذلك خرج تصور أنصارها لنظام الواقع بناء على تأويلات دينية، وارتبط التغيير في أذهان البعض بالدعوة إلى الحكم الثيوقراطي وهو ما ناضلت الإنسانية في التراث الغربي من أجل التخلص منه إلى الحكم الديمقراطي وهو التفسير العقلي الواقعي دون إقحام رجال الدين في السياسة. وبدا أن الغاية هي الدفاع عن رجال الدين وليس التغيير الاجتماعي، وبدت الدعوة دينية مقحمة في الأمور السياسية، وغير قادرة على ممارسة قضايا التغيير الاجتماعي التي تحتاج إلى علم، وإلى واقعية دون أحكام مسبقة. 2– وقف تطور هذه الدعوة فكرياً، ووقوفها عند مرحلة معينة من مراحلها، وعدم الأخذ في الاعتبار التطورات الجديدة والمستمرة، التي تطرأ على الواقع والتي تحتم على الفكر النظري اللحاق بها. ومن ثم تأخر الفكر التجديدي الحديث عن مستوى التطور للواقع المعاصر وبدا متخلفاً. ولم يزد على الحركات التجديدية الحديثة شيئاً، ولم يدفع فكر التجديد الحديث خطوة أخرى إلى الأمام إن لم يكن قد تأخر خطوات، دون استثمار للإحياء الاعتزالي، والتأكيد على استقلال العقل والإرادة، ودون تطوير لـ«لاهوت الثورة»، ودون معالجة لقضايا الأرض، ودون توعية للجماهير، ودون تحديث للتعليم أو للقضاء من داخله، وهي المحاولات التي بدأها فكرنا التجديدي في عصر النهضة وتركناها بلا تطوير. 3– عدم القدرة على تحويل التأويل الديني إلى فكر نظري، ثم تحويل الفكر النظري إلى رؤية وأيديولوجية سياسية اقتصادية واضحة المعالم يمكن صياغتها بطريقة عقلية علمية صرفة، ووضع برنامج شامل تتحقق فيه هذه الرؤية أو الأيديولوجية، ويصبح هذا البرنامج دليلاً للعمل الاجتماعي. ومن ثم كانت الرغبة ما زالت ملحة على فكرنا المعاصر في البحث عن أيديولوجية في مقابل الأيديولوجيات المعاصرة، وستستمر هذه المحاولات لتغيير الواقع في تعثرها طالما أنه لا توجد أيديولوجية تغيير ونهوض وتحديث واضحة المعالم يجد فيها الواقع تعبيراً عن ذاته، وتجد فيها الجماهير تحقيقاً لمصالحها. ولا يكفي هنا إعلان النوايا الطيبة، وإثبات حقائق بلا برهان، والفخر بأن لدينا كل شيء، فالمهم هو عرض ما لدينا بصورة علمية، متكاملة، ومقبولة كافتراض نظري يثبت صدقه عند التحقيق، ويدخل ضمن أيديولوجيات العصر. 4– سيادة التصور الرأسمالي للدين، وهو التصور الطبقي له، نتيجة للإيمان بالتصور الهرمي للعالم، وهو ما ورثناه قديماً من نظرية الفيض أو الصدور، الذي يرتب الكون طبقاً لمراتب الشرف والكمال، وهذا التصور الذي يضع الناس والطبقات الاجتماعية ويرتبها بين الأعلى والأدنى لا بين الأمام والخلف، هو التصور الرأسي للعالم وليس التصور الأفقي. وهو ما تابعنا فيه التراث الغربي أيضاً الذي ينشر هذا النوع من الفكر الديني لأن فيه إرساء للنظام الرأسمالي وتأسيساً له على أسس نظرية ووجدانية للشعوب المستعمرة وللبلاد المتخلفة. ولذلك انحاز أنصار هذا الفكر إلى الرأسمالية وعادَوْا الاشتراكية، ولو أنهم كانوا مناهضين للاستعمار ومظاهر الفساد الاجتماعي. فهم يؤمنون بالثنائية مما يسبب فصاماً في حياة الفرد بين عالمين، يعيشهما متجاورين أو متمايزين أو مخلوطين، أحدهما بالآخر، وهذه الثنائية هي أساس كل مظاهر الازدواجية في سلوكنا القومي.