في كتابه الجديد «أطفال الحجارة»، يتعقب الكاتب والصحافي الأميركي «ساندي تولان» رحلة طفل فلسطيني من أحد مخيمات اللاجئين إلى أوروبا، ومنها إلى فلسطين مرة أخرى، حيث سيصبح رئيساً لشبكة من المعاهد الموسيقية في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي تعلِّم الأطفال الموسيقي -ومعها الأمل في المستقبل. وإذا كان «تولان» قد أفرد كتابه السابق، «شجرة الليمون»، لسرد قصة إسرائيل وفلسطين من خلال شجرة، والطريقة التي جمعت بها وألّفت بين عائلتين فلسطينية وإسرائيلية، فإنه يعود في هذا الكتاب لإلقاء الضوء على الدور الذي لعبته الموسيقي في حياة ونشأة طفل فلسطيني من جهة، وفي التقريب بين الإسرائيليين والفلسطينيين من جهة ثانية، مكرساً بذلك انشغاله بالبعد الإنساني للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي الذي أضحى سمة غالبة تسم أعماله. وبطل الكتاب هو رمزي حسين أبو رضوان، الذي اكتسب شهرة دولية منذ سن الثامنة بفضل صورة التقطها له مصور صحفي في أحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وهو يهمّ برمي جنود الاحتلال الإسرائيلي بالحجارة، صورة أضحت لاحقاً رمزاً وأيقونة للانتفاضة الأولى التي انتفض خلالها الفلسطينيون احتجاجاً على القمع والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. ثم أعقبت ذلك فترات هدوء حيناً وتصعيد حيناً آخر: اتفاقيات أوسلو مع ياسر عرفات وكمب ديفيد وبيل كلينتون وأكثر من 20 عاماً من الآمال المحطمة ورمي الحجارة والاتهامات المضادة ومشاعر اليأس، فترة ظل فيها الأمل، مع ذلك، محافظاً على جذوته. تبدأ القصة مع زيارة قام بها رمزي إلى مدرسة ابتدائية تابعة للأمم المتحدة عندما كان صغيراً ورأى خلالها كماناً لأول مرة. وكانت تلك لحظة فارقة في حياته التي كانت تقتصر حتى ذلك الوقت على مرافقة جده، والذهاب إلى المدرسة، ورمي الحجارة. نِشأ رضوان تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي. وقد تركته والدته عندما كان في سن الخامسة، ثم قتلت مجموعات فلسطينية والده في 1990 بسبب الاشتباه في تعاونه مع الإسرائيليين، فتكفل جده بتربيته. وخلال هذه الفترة، تشبع الولد بمشاعر الكراهية واليأس الجماعية التي كان يشعر بها كثير من الفلسطينيين بسبب الاحتلال الإسرائيلي. وبعد اتفاق أوسلو عام 1993، سُمح للعديد من الفلسطينيين المنفيين بالعودة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، ومن بينهم عازف كمان متخصص في العلاج بالموسيقى يدعى محمد فاضل الذي أسس المعهد الوطني الفلسطيني في إطار الجهود الرامية إلى بعث حياة جديدة في المؤسسات الثقافية الفلسطينية. فاختير رمزي ليعزف الكمان، ثم نجح في الحصول على منحة «العزف من أجل السلام» للدراسة في الولايات المتحدة وفرنسا. وأخيراً، التحق بمشروع موسيقي كبير وطموح قاده المفكر الأميركي- الفلسطيني إدوارد سعيد والمايسترو الإسرائيلي دانييل بارنبويم، ويهدف إلى إشاعة ثقافة السلام عبر إقامة شراكة موسيقية بين العرب واليهود. فأصبح رمزي واحداً من أشهر عازفي هذه الفرقة. ولكن لأنه لم يكن يرغب فقط في أن يكون جزءاً من مبادرة صداقة رمزية مع الإسرائيليين، فقد أسس معهداً موسيقياً في البداية ثم شبكة من المعاهد لاحقاً بهدف تدريب أطفال المخيمات، الذين ما كانوا سيعرفون شيئاً، بدون معاهده، غير مشاعر الغضب واليأس. واللافت في هذا الكتاب هو أن «تولان»، وإدراكاً منه لحقيقة أنه يلامس قصة إنسانية تتقاطع مع نزاع سياسي مرير وحساس، كان حريصاً على أن يترك القارئ ليقرر بنفسه ويخرج باستنتاجاته الخاصة، مقاوماً غواية تبني وجهة نظر هذا «الطرف» أو ذاك. بل إن حتى رمزي نفسه ربما كان يرى لحظات يبدو فيها التعاون مع إسرائيل أفضل من العزلة! ولنتأمل هنا على سبيل المثال اللحظة التي علم فيها «يوفال»، وهو موسيقي إسرائيلي في أوركسترا «ديفان»، أنه كان يعزف الموسيقى إلى جانب أحد أولئك «الأولاد الذين يرمون الحجارة». فـ«يوفال» هذا شبّ وترعرع على فكرة أن الأولاد مثل رمزي «أغبياء»، ولم يكن يخطر على باله أبداً أنه سيعزف الموسيقى يوماً ما إلى جانب أحدهم، أو أن منهم من يستطيع أن يكون موسيقياً بارعاً مثل رمزي. محمد وقيف ------ الكتاب: أطفال الحجارة.. قوة الموسيقى في بلاد صعبة المؤلف: ساندي تولان الناشر: بلومزبري يو إس إيه تاريخ النشر: 2015