منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مالت وسائل الإعلام الشعبية في الغرب إلى وصم الإسلام بأنه يمثل تهديداً، وعقيدة يقضي أتباعها وقتهم في التخطيط لقتل «الكفار» وقمع المرأة وتطبيق الشريعة في الديمقراطيات الغربية. ولكن على الرغم من أن أفعال جماعات مثل تنظيم «داعش» الإرهابي تبدو مؤكدة لأسوأ هذه الصور النمطية، فإن الرؤى العالمية للمتطرفين لا تمثل أنظمة عقدية لغالبية عالمية ساحقة تضم 1,6 مليار مسلم، هم حسب رواية الصحافية «كارلا باور»، شعوب متنوعة ومختلفة. وبسبب قلقها من الصور النمطية والتعميمات المقيتة عن «العالم الإسلامي»، قررت «باور»، الحاصلة على درجة علمية في الدراسات الشرق أوسطية من جامعة «أكسفورد»، وقد عملت مراسلة أجنبية في عدد من الدول الإسلامية، مواجهة ذلك، في كتابها الجديد «لو كان البحر مداداً»، الذي يعتبر عملاً فريداً عن العقيدة الإسلامية، حيث ركزت الكاتبة من خلاله على رؤية الشيخ محمد أكرم الندوي، وهو عالم مسلم وإمام تعرفه «باور» منذ أكثر من عشرين عاماً. وتعتبر المؤلفة كتابها «توضيحاً للعقيدة الإسلامية من منظور الأشخاص الذين يعتنقونها ويعيشون في كنفها عن كثب». وقد أصبحت الصحافية على دراية بعمل الإمام في تسعينيات القرن الماضي، عندما أجريا سوياً بحثاً عن علماء الإسلام والمتصوفة لصالح «مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية». وبعد سنوات من كتابة التقارير في مجالات السياسة والهوية في المجتمعات المسلمة، طلبت «باور» التي أرادت «استكشاف المعتقدات التي تقف وراء تلك الهوية»، من «أكرم» قبولها كطالبة لديه. وعلى مرّ سنوات، استصحبت المؤلفة احتراماً وتقديراً كبيراً لعلمه، خصوصاً قواميس سير الأعلام التي أعدها عن نساء اشتهرن بالعلم في الإسلام. وخلال عمله، يأمل أكرم في تذكير المسلمين بأهمية تعليم المرأة وإسهاماتها في المجتمع. وسعت «باور» لفهم إعجاز «القرآن الكريم»، الذي وصفته بأن فيه إمكانيات غير محدودة، تم التعبير عنها بآية في القرآن، اقتبست منها اسم كتابها: «قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً». وأجرت «باور» سلسلة من الحوارات مع أكرم والتقيا في المجموعات الدراسية وفي المحاضرات التي يلقيها إلى المجتمع المحلي، وتعرفت إلى أسرته وطلابه. وتقول: «إن التعلم على يد رجل يرى أن كل شيء من أوراق الشاي إلى الجبر هبة من الله، جعلني أشعر بامتنان جديد ينتابني، وسأخرج من هذا الدرس ليس بإيمان جديد فقط، ولكن أيضاً بما أفترض أنه معلم روحي يدعو إلى التدبر». وقد نجحت المؤلفة في سبر أغوار طبقات متعددة من التفسير الثقافي الذي يجعل عدداً من الموضوعات مثل الحجاب مثيرة للجدل في الغرب. ويوضح لها أكرم أنه في الإسلام، يكمن الغرض من ارتداء المرأة للزي الإسلامي ليس في جعلها مخفية، وإنما يسمح لها بأن تكون ظاهرة وموجودة، مع «ستر قوة جاذبية جسدها». وترى المؤلفة أن الظروف الجيوسياسية انعكست على الموضوع، ذلك أنه منذ زمن استعمار الجزائر وحتى أفغانستان القرن الحادي والعشرين، ارتبط الاحتلال العسكري الغربي أحياناً بقضية «خلع الحجاب». ونوّهت المؤلفة إلى أن أكرم على النقيض من بعض تلاميذه، يمقت السياسة، ويحض طلابه على التركيز على التقوى والعلم. وتشير إلى أنه في تضاعيف الكتاب يرفض الرجل فكرة استخدام الدين كوسيلة لتحقيق أغراض سياسية. وترى «باور» أنه من خلال دراستها مع الإمام، استخلصت أنهما يتقاسمان كثيراً من القيم، بما في ذلك الأخلاق والمساواة وحقوق الإنسان، موضحة أنه بالنسبة للأشخاص المؤمنين تكون الحياة من المهد إلى اللحد بمثابة دائرة عودة، في محورها الإيمان بالله، سبحانه وتعالى. وائل بدران الكتاب: «لو كان البحر مداداً» المؤلفة: كارلا باور الناشر: هنري هولت تاريخ النشر: 2015 ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست رايترز جروب»