تفيد تجربة الرئيس المصري الراحل أنور السادات مع جماعة «الإخوان» في الإجابة عن تساؤلات تتزاحم في الساحة السياسية المصرية منذ إطاحة حكم الجماعة في الثالث من يوليو 2013 حول خيارات المستقبل وسيناريوهاته بين السلطة السياسية الحالية و«الإخوان». وأول هذه الأسئلة هو: كيف تحاول الجماعة بانتهازية التكيف مع نظام ومجتمع نفر منها ونبذها؟ وتتقارب مع امتداد سلطة أبعدتها؟ وينبغي أن يتعدى النظر إلى أي إجابات مثل هذا النوع من الأسئلة فكرة أن السياسة متقلبة. وهنا يجب النظر إلى المشتركات بين رؤية السادات ورؤية الجماعة، وهي مسألة قد يتوهم الواهمون أنها قابلة للتكرار في المستقبل، إنْ لم تستمر العوامل التي تمنع حدوث تقارب، كأن يستمر ضغط الشعب في سبيل عدم التصالح مع الجماعة، أو تستمر ممارسة «الإخوان» للإرهاب، من خلال قيام مجموعات تابعة لجماعتهم بارتكابه أو دعمه ومباركته أو توفير غطاء سياسي له. في كل الأحوال، ينبغي عدم إهمال المعطى التاريخي الذي يقول إنه ليست في السياسة «صداقة دائمة ولا عداء دائم»، لا سيما إنْ أقدم «الإخوان» على خطوة تحايلية ذات بال، كأن تكون اعتذاراً واضحاً وصريحاً للشعب المصري لتعويم أنفسهم في نفوس قطاعات لا تريد لصراع الجماعة مع المجتمع والسلطة أن يستمر بلا نهاية أو عرض أنفسهم لخدمة السلطة في لحظة أزمة شديدة تمر بها أو ظهور ظرف محلي أو إقليمي قاهر قد يجعل أهل الحكم يقدمون على تقارب نحو الجماعة، في نوع من المغامرة والمقامرة، من دون شك، كتلك التي خاضها السادات! ولكل هذا تبقى دراسة نمط علاقة السادات بـ«الإخوان» مفيدة في معرفة بعض الخطوات القادمة، حتى ولو في شكل «سيناريو افتراضي»، يتيح لمن يرفضون أي مصالحة بين الجماعة والدولة، لأن «الإخوان» فعلوا ما لا يمكن غفرانه، ومن لديهم قدرة على فهم ما يجري، وبالتالي يتدخلون في الوقت المناسب لمنع حدوث هذا، ويطرحون بدائل لا تفريط فيها من قبيل مدنيّة الحكم والحياة الحزبية وسلمية الممارسة السياسية وعلنيتها على قاعدة من الوطنية وداخل حدود الدولة، وليس في إطار أممي مثلما تفعل الجماعة. وهنا يثار تساؤل جديد: هل ممارسة «الإخوان» للسياسة في المستقبل مرتبطة ارتباطاً لازماً وجازماً بوجود جماعتهم؟ بالنسبة لـ«الإخوان»، هم لا يريدون الاشتغال والانشغال بالسياسة إلا من خلال جماعتهم، بل يرونها فوق الدولة وفوق الوطن وأهم منهما، بل هي في نظرهم أهم ما على الأرض! وهذا ليس ادعاء بل قراءة لإدراكهم لذاتهم الذي سجلته آراؤهم وكتبهم ومواقفهم، في نرجسية وشوفينية عجيبة، وغير قائمة على أي أساس منطقي أو إنساني. ولذا فهم حين أنشأوا حزباً أسموه «الحرية والعدالة»، جعلوه مجرد زائدة دودية للجماعة ولافتة سياسية باهتة على بابها، لأن لائحة الحزب جعلته تحت سيطرة مكتب الإرشاد من الناحية العملية. أما بالنسبة للواقع، فإن «الإخوان» مارسوا السياسة في إطار الأحزاب السياسية التي كانت قائمة قبل ثورة 1952، وعلى رأسها «الوفد»، وثابت تاريخياً أن كثيرين منهم تركوا الجماعة حين انخرطت في الحياة السياسية، وأبلغوا حسن البنا وقتها أنهم ساروا خلفه لأنه حدثهم عن الدين، أما وإنه يريد خوض غمار السياسة فعليهم أن يتركوه ويبقوا في «الوفد» لأنه حزب الأمة المصرية. كما مارس «الإخوان» السياسة من خلال التحالف مع حزب «الوفد» الجديد في انتخابات 1984 ومع حزبي «العمل» و«الأحرار» في انتخابات 1987 وإنْ كانوا احتفظوا بقوام جماعتهم متماسكاً في ذلك التحالف، بل استعملوه في السيطرة على حزب «العمل» فيما بعد. وبالتالي فبوسع «الإخواني» أن ينضم إلى أي من الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة المصرية! والآن قد يفكر «الإخوان» في خطوة تحايلية جديدة، وينتظرون تقديم خدمات للدولة كـ«جماعة وظيفية» طالما عملت في خدمة السلطات المتعاقبة، ليعوّموا أنفسهم سياسياً واجتماعياً من جديد، ينتظرون هذا بعد السيسي، على الأرجح، مثلما جاء السادات ونفخ فيهم من روح السلطة وهم على شفا الموت.