خلق الله سبحانه وتعالى الناس في هذا الكون الفسيح سواسية كأسنان المشط، فجاء من بعد ذلك الخلق الحسن شريحة من البشر وقامت بكسر أسنان المشط بصورة عشوائية حتى ضاعت معالمه وأخفت «السواسية» التي كانت عليه من خريطة الإنسانية الرحبة. فالإسلام الحنيف قد نبذ منذ البداية الأولى لعهد رسالة الرحمة للعالمين عنصرية اللون سواء كان في نطاق السواد أو غيره من الألوان والأجناس التي لا دخل أصلاً لأي مخلوق في صناعته فضلاً عن الجرمية في ترويجه لأنه يقطع أواصر البشرية في أمر لا طائل من ورائه غير المزيد من الفتن والاقتتال، فنبينا عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قد أغلق هذا الباب بقوله: «دعوها فإنها منتنة» وإذا ما حدثت فتنة من جرائها فقد لحقه اللعن عندما قال عليه الصلاة والسلام «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها». إن هذه الآفات النفسية النتنة التي تحولت في هذا العصر إلى معارك طائفية وحركات إرهابية وأصولية متطرفة غدت سموماً تسري في عروق المجتمعات التي كانت تعيش في وئام وسلام حتى جاءت سمِّية العنصرية بكل ويلاتها لتصب جام عصبيتها للمذهب أو الطائفية أو اللون أو حتى اللغة، لكي يتحول البعض من جديد إلى تبني تيار شعوبي لا يعترف بأن الدولة الوطنية هي التي لديها الحق السيادي فقط في التعامل مع هذه الأمراض السامة التي بدأت تنخز عظام المجتمعات العربية والإسلامية، وكذلك بعض الأوروبية منها وخاصة التي مست العصب والنخاع ولم تقف عند السطح أو الجلد حتى تصبح طفحاً جلدياً عابراً لتزيلها المطهرات الطبية أو القانونية والتشريعية. فالعنصرية السمِّية تخطت حدود الأوطان والدول وتجاوزت الحكومات الشرعية في بعض الدول وخاصة من تلك التي أصابها مس «الربيع العربي» بعد أن خرج الجان السياسي من قمقمه ليتحول إلى شيء آخر لا ينتمي إلى السياسة الرشيدة بشيء حتى ولو في صورتها الظاهرية، وإلا هي في حقيقة الأمر سم مركب لا يداويه طب معروف ولا كيٌّ معهود في مثل تلك الأمراض الجسمانية، إلا أن ما تعانيه في هذه الأوقات الصعبة والعصيبة من حياة الأمتين العربية والإسلامية، هو انتشار سموم الأمراض الفكرية وسهامها القاتلة بصورة لم نعهدها في التاريخ الغابر ولا المعاصر. فالأمثلة صارخة في العالم الحديث فالتمييز ضد اللون الأسود كان له دور في ضياع حضارة جنوب أفريقيا عبر قرابة أكثر من أربعة قرون لم تهنأ هذه المنطقة بيوم استراحة أو نقاهة، عن سكب دماء السود بيد البيض هناك، فكانت لهم بعد تلك المعاناة لحظة مع القدر على يد مانديلا فأخرجهم من هذه العنصرية البغيضة دون أن يكرس تغول السود ضد البيض. وعلى هذا المنوال تأتي عنصرية الطائفية والحزبية والمذهبية والتطرف في استخدامها كأسلحة فكرية أشد خطراً وفتكاً من الأسلحة النووية الحربية ذاتها، لأن الأخيرة للردع وليست للاستخدام أبداً، فيما الأولى الغارقة في الكراهية والحقد والضغينة والبغضاء هي التي يتداول سمها في عروق الأوطان المبتلاة بتلك الأفكار التي عفى عليها الدهر، ولكن يأبى نفر من كل فرقة إلا إحياءها وإماتة كل من يخالفها وفق قوائم مرسومة سابقاً في موجة ثأر عنصري يخرج من التاريخ الماضي أكثر صفحاتها سواءً مع أن بياضها الناصع لا تحجبه الأصابع المنتفخة من قبح تلك الأفكار السادية. وقد دخلت هذه العنصرية السمية على خط السياسة الدولية الساخنة كما يراها الجميع بلا رتوش وهذا ما دعا أحد العقلاء من مفكري الغرب وهو دانييل بليتكا لأن يقول في ذلك «ما تغفل عنه إدارة أوباما، مثلما غفلت عنه من قبلها إدارة بوش، هو أن المعركة على مستقبل الشرق الأوسط هي حرب أفكار». فعلى العالم أجمع، وليس دولة بعينها أو حدها، لأنها لن تستطيع منفردة محاربة هذه الأفكار العنصرية السامة بكل أوجهها ولو كانت بحجم أميركا، لأن الحجم لم يعد اليوم هو الحكم الفصل في هذه المعركة الشرسة فلقد آنت ساعة وقوف كل محبي السلام والأمن في رد كيد هذه الأفكار وضلالاتها التي طالت عقول من غرر بهم بسلاح مزور على الدين والدين ذاته بريء منه منذ قوله «دعوها» وإلى حين «اللعنة».