عندما تقف ألمع عقول العالم وأبرعها، مثل ستيفن هوكينج وبيل جيتس وإيلون موسك، صفاً واحداً لتحذيرنا من أمر قد ينهي الحياة كما نعرفها -وإن كان التحذير يبدو نوعاً من الخيال العلمي البعيد عن الواقع- فماذا يجدر بنا فعله؟ ففي العام الماضي أضحى ما يسمى الذكاء الصناعي محط انتقادات واسعة، وهنا لا نتكلم عن انتقادات عادية، بل عن تلك التي جهر بها علماء حاصلون على جائزة نوبل ورجل أعمال بنى ثروته على تكنولوجيا المعلومات، فضلاً عن شخصين كانا من مؤسسي الكمبيوتر الشخصي، وقد خرجوا جميعاً ليؤكدوا في مصادفة مثيرة للاستغراب والخوف معاً أن البشر قد يفقدون في وقت قريب السيطرة على الآلات الذكية ويصبحون إما عبيداً لها، أو يبادون على أيديها تماماً. والحقيقة أنه من الصعب إجراء مقارنة تاريخية مع الخوف الراهن الذي يعبر عنه هؤلاء العلماء، فبرغم المخاوف ومشاعر القلق التي تثيرها عادة التحولات العلمية والتكنولوجية الكبرى، إلا أن التحذيرات عندما تأتي من أشخاص ذوي خلفيات علمية وتكنولوجية فذة فلا مناص من الإصغاء لها وأخذها على محمل الجد. ولعل ما يضفي أهمية أكبر على الضجة الصاخبة التي أثارتها هذه المخاوف المعبر عنها أنها جاءت من رجلين هما بيل جيتس وستيف وزنياك، كانا وراء تأسيس المشهد التكنولوجي الحالي الذي من رحمه ولد مفهوم الذكاء الصناعي نفسه، هذا إضافة إلى ستوارت راسل الذي وقع مع عالم الفيزياء الشهير هوكينج مقالاً في شهر مايو 2014، وقد حذروا جميعاً من الآلات الذكية. وفيما يسارع البعض إلى الاستخفاف بمخاوف هؤلاء العلماء باعتبار أن الآلات بالغة الذكاء ما زالت بعيدة بعقود عن حاضرنا، كما يعتقد البعض الآخر أن هذه المخاوف لا أساس لها من الصحة، لأنه لن يكون الإنسان أبداً على درجة من الحمق ليمنح الآلات استقلالية، أو يزودها بحالة من الوعي والإدراك الذاتي حتى تخرج عن سيطرة الإنسان وتتمرد عليه. ولكن لماذا إذن هذا الضجيج الذي يثيره أشخاص يُفترض أنهم علماء على مستوى عال ويعرفون ما يعنيه هذا الكلام؟ للإجابة عن هذه الأسئلة لابد من العودة لما قاله بوضوح كبير هوكينج في مقاله، حيث اعتبر أن الذكاء الصناعي يعتمد بالأساس على من يوجهه ويسيطر عليه، هذا في المدى القريب، أما على المدى البعيد فسيكون السؤال عن إمكانية السيطرة عليها أصلاً. وكبداية يعترف هوكينج بأن الذكاء الصناعي، كغيره من ضروب التكنولوجيا المختلفة، ينطوي على استخدام مزدوج ويعتمد على الشخص المستخدِم، وهو في ذلك شبيه بتقنية الانشطار النووي التي يمكن استخدامها لتوليد الطاقة، كما لصنع القنبلة النووية. هذا الاستخدام المزدوج للتكنولوجيا الذي يحذر منه العلماء ينطبق أيضاً على الذكاء الصناعي، فاليوم تعكف أزيد من خمسين دولة على تطوير روبوتات مقاتلة، ومن أهمها تلك التي تتخذ قرار القتل دون الرجوع إلى البشر، وهذه الآلات المستقلة القادرة على اتخاذ القرار لوحدها يتم تمويلها وتطويرها من قبل دول عديدة، وحتى في ظل عدم وجود نص في القانون الدولي يحظر استخدام هذه الآلات في ساحات المعارك، إلا أن هناك شكوكاً أخلاقية حول مدى مطابقتها للقانون الإنساني، أو الضوابط التي تنظم الصراعات المسلحة.. فكيف على سبيل المثال يمكن للآلة أن تفرق بين الصديق والعدو؟ والمقاتل من المدني؟ ومن سيتم محاسبته في هذه الحالة؟ وهذه الأسئلة وغيرها التي تظل من دون إجابات واضحة في وقت تتحول فيه الآلات المستقلة إلى أدوات للقتل، وقد تتحول إلى أسلحة معمول بها في الحروب تؤكد فقدان البعد الأخلاقي والفلسفي للموضوع. ولكن الأمر لا يقتصر أيضاً على الاستخدامات القتالية للآلات فائقة الذكاء، بل يمتد التساؤل الأخلاقي أيضاً لمجال التنقيب في البيانات التي تلجأ إليها الشركات وكذلك أجهزة الاستخبارات مثل وكالة الأمن الوطني الأميركية، فقد كان الأمر في الولايات المتحدة يستدعي ترخيصاً قضائياً حتى تستطيع الاستخبارات التنصت على الهواتف، ولكن اليوم وبفضل برمجيات متطورة صار بإمكان وكالة الأمن القومي تجاوز الضمانات القانونية واختراق كابلات الألياف مباشرة التي تنقل المعلومات لتحليلها واستخلاص المعطيات، حتى الخاصة منها عن الأميركيين وغيرهم. ولابد من الإشارة هنا إلى أن الروبوتات المقاتلة وأدوات التنقيب في البيانات يُعتمد في تطويرها على نفس تكنولوجيا الذكاء الصناعي التي تساعدنا على تطوير حياتنا في أكثر من مجال، سواء كان في التسوق، أو الترجمة الآلية، أو غيرها من المجالات ليبقى السؤال: متى يأتي ذلك الوقت الذي تكتسب فيه تلك الآلات تقنية الذكاء الصناعي؟ فالمشكلة أننا لا نعرف كيف نسيطر على الآلات فائقة الذكاء، فعلى رغم أن البعض يقول إنها لن تكون مؤذية للبشر، إلا أن أبحاثاً أخرى تشير إلى احتمال تطويرها لنزوعات مستقلة، ما يعني أنه يتعين منذ الآن البدء في وضع أخلاقيات خاصة فيما يتعلق بالذكاء الصناعي تحدَد فيه استقلالية الآلات وتُضبط وفق نظم وقوانين موحدة، وإلا سيأتي يوم سنكون فيه تحت رحمة الآلات الذكية. جيمس بارات كاتب أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون ميديا سيرفس»