مسٌّ من العقل أو الجنون، هذا ما تفعله في النفوس الصور والمعطيات الخارقة التي يبعثها التلسكوب الفضائي «هابل» منذ إطلاقه في أبريل عام 1990. و«كما لو كنا جالسين على مرتفع يحيط بنا الضباب من كل جانب، ونكاد لا نرى على بعد خطوتين من مواقع أقدامنا، ثم ينقشع الضباب، وفجأة نبدأ نرى الناس والبيئة التي تحيطنا على مدى البصر»، كتبتُ ذلك قُبيل إطلاقه في صحيفة «الحياة» اللندنية. وفي صيف عام 1994 جعل التلسكوب سكان الكرة الأرضية يرون ما لم يروه من قبل، ارتطام مُذنّب بـ«المشتري»، الذي يُعدُّ أكبر كواكب المنظومة الشمسية وأكثرها غموضاً وتألقاً. و«مثل المحب الولهان الذي لا يستطيع التحرر من أسر الجاذبية الطاغية للمحبوبة التي تحطمه إلى أجزاء قبل أن تلتحم به وتذيبه في كيانها». هكذا استهلَّيتُ تقريري من «مركز غودارد الفضائي» في ميريلاند بالولايات المتحدة عن الارتطام الذي أطلق قبة نارية ارتفاعها نحو ألف كيلومتر. وفاجأني الاحتفال أخيراً بمرور ربع قرن على إطلاق التلسكوب. فربع قرن أقل من لحظة في عمر الكون، الذي اكتشف التلسكوب أنه يقرب من 14 مليار عام، والصور والمعلومات التي يبعثها أسبوعياً تعادل رفاً من الكتب طوله أكثر من ألف متر، وتغطي أجساماً فضائية قريبة كالقمر، أو في الفضاء العميق كالنجوم المستعرة العظمى التي تنشأ عن انهيار نجوم عملاقة، أو تصور الغيمة السديمية المهيبة المسماة «أعمدة الخلق»، وتُعتبر أشهر صورة فلكية في القرن العشرين. جميع هذه الصور معروضة في الإنترنت، وبينها صورة الغيمة السديمية اللولبية التي تخشع لها القلوب، بالمعنى الديني أو الدنيوي، ويطلق عليها اسم «عين الخلق»، وصور كوكبة ملايين النجوم المقيمة في غيمة «ماجلان» السديمية، والتي تأخذ من يراها في التيه الكوني العظيم، فلا يعود كما كان. والتلسكوب الذي كلّف مليار و500 مليون دولار يحلق على ارتفاع 569 كيلومترا عن الأرض، ويدور حولها كل 97 دقيقة. ولوجوده في الفضاء الخارجي بعيداً عن جو الأرض يرى أبعد وأوضح من جميع التلسكوبات. وبسبب الوقت الذي يستغرقه الضوء فالأحداث الكونية كمجرة «أندروميدا» التي تبعد عن الأرض مسافة أكثر من مليوني سنة ضوئية نراها عندما يكون قد مرّ على وقوعها ملايين الأعوام، وهذا يجعل التلسكوب «آلة الزمان» الأسطورية التي ترينا أحداثاً من الماضي لم يعد لها وجود. ويحمل التلسكوب اسم عالم الفلك الأميركي «أدوين هابل» الذي اكتشف في عشرينيات القرن الماضي أن الكون يتمدد بسبب الانفجار العظيم الذي نشأ عنه، وحدّد «التلسكوب» وقت وقوعه قبل نحو 14 مليار سنة، والتقط صورة مجسمة لما تُسمى «المادة المظلمة»، والتي تشكل أكثر من 90 في المئة من مادة الكون. واكتشف أن كل مجرة تقريباً ترسو على «حفرة مظلمة» حجمها أكبر مليارات المرات من الشمس، وتفترس كل ما يقترب منها، ولكنها لا تُرى، لأنها تبتلع الضوء نفسه. والكون قصة لم تكتمل فصولها، ليس بمعنى ما قد يحدث بغتة قبل أن أنهي هذه المقالة فحسب، بل ما حدث له منذ لحظة ميلاده التي تقل 47 ضعفاً من أجزاء من الثانية، انفجرت خلالها ما تُسمى «بيضة الكون» وحجمها أقل من جزيئات باطن الذرة. وعندما كَلَّفني «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت» بمراجعة الطبعة العربية من كتاب «الكون» للعالم الأميركي «كارل ساغان» حاولتُ بصعوبة أن لا تشغلني عن التدقيق حقائق الكون الساحرة، فوجدت الإنسان أكثرها سحراً، ولا أحد يعرف كيف تسنّى للإنسان معرفة الكون. يفسّر «ساغان» ذلك بأن «كل إنسان مصنوع من مادة النجوم نفسها»، وأن «كل واحد منّا من وجهة النظر الكونية ثمين. وإذا خالفك أحدٌ، دعه يعيش. فإنك لن تجد في مئات المليارات من المجرات شخصاً آخر»!