في وقت انبرى فيه للدفاع عن جدوى الاتفاقيات التجارية الجديدة الموسعة وإيجابياتها، اضطر أوباما للتعاطي مع الصورة المزعجة لآخر اتفاقية تجارية كبيرة نوقشت تحت دائرة الضوء الوطنية: اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، المعروفة اختصارا بـ«نافتا». ففي تصور بعض الأميركيين، ومنهم عدد لا بأس به من «الديمقراطيين»، أصبحت «نافتا» قصة يشار إليها اليوم للتحذير والتنبيه إلى أن الاتفاقيات المماثلة تضر بالاقتصاد الأميركي. وهذا مؤسف لسببين. أولاً، لأن تشبيه محتوى المفاوضات الحالية بـ«نافتا»، وهي اتفاقية تم التوصل إليها في نهاية الحرب الباردة وبداية عصر العولمة، مثل تشبيه أحدث الهواتف الذكية بنسخة بدائية من جهاز كمبيوتر «ماكينتوش». ذلك أن «اتفاقية الشراكة العابرة للمحيط الهادي»، التي تتفاوض حولها الإدارة الحالية، تُعتبر أكثر تطوراً وشمولية مقارنة مع «نافتا» في أيامها. كما أن من شأنها أن تربط الولايات المتحدة بشبكة عالمية أكبر بكثير. وثانياً، لأن تركة «نافتا» هي أكثر إيجابية ونفعاً مما يعترف به منتقدوها. فاختزال «نافتا» في رسم كاريكاتوري يحجب عنا إنجازاتها وبعض الدروس المفيدة والقيّمة. وباعتباري عضوا في فريق البيت الأبيض الذي ساهم في تحويل «نافتا» إلى حقيقة، أعتقدُ أن سجلها على مدى العشرين عاما الماضية يمكن أن يساهم في النقاش الحالي وفي مسائل أكبر بخصوص التجارة ودور الولايات المتحدة في العالم. فـ«نافتا»، التي تم التفاوض بشأنها في عهد الرئيس جورج بوش الأب وتحولت إلى قانون في عهد بيل كلينتون، وحّدت اقتصادات كندا والمكسيك والولايات المتحدة. ونتيجة لذلك، أضحت كندا اليوم أكبر سوق صادرات بالنسبة لنا، تليها مباشرة المكسيك. كما ازداد حجم التجارة في أميركا الشمالية بـ400 في المئة، متجاوزاً 1?1 تريليون دولار سنويا. وهكذا، فإن الصادرات الأميركية التي تذهب إلى المكسيك اليوم باتت أكبر من نظيرتها التي تذهب إلى فرنسا وألمانيا وهولندا وبريطانيا مجتمعة. كما أننا نصدِّر إلى كندا أكثر مما نصدِّر إلى الاتحاد الأوروبي. غير أن النجاحات تجاوزت أرقام الميزان التجاري. ذلك أن «نافتا» عززت أمن الولايات المتحدة والاستقرار الإقليمي نظرا لأن التجارة وسيلة فعالة من الناحية الجيوسياسية لأنها تربطنا بحلفائنا. كما أن «نافتا» ساهمت في تجاوز أكثر من قرن من التشنج في العلاقات بين الولايات المتحدة والمكسيك. وكانت محفزا لفتح الاقتصاد المكسيكي ونظامه السياسي. ففي ظرف عشر سنوات، أنهى هذا البلد عقودا طويلة من حكم الحزب الوحيد. واليوم، تُقبل المكسيك على إصلاحات كان مجرد التفكير فيها ضربا من ضروب المستحيل قبل عشرين عاما. كما أن نجاح منصة للطاقة والصناعة في أميركا الشمالية أثمر تعاوناً دبلوماسياً وأمنياً. ومثلما قوّت «نافتا» علاقاتنا مع جيراننا وأظهرت أن الولايات المتحدة لن تنكفئ على نفسها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، فإن «اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي» يمكن أن تكون عامل ربط أساسياً في علاقاتنا مع آسيات وتمثل مؤشرا مهما على انخراطنا مع منطقة تسعى فيها الصين إلى فرض مزيد من نفوذها. ولعل الانتقاد الأكبر الذي كان يوجه لـ«نافتا» هو أنها تسببت في خسارة وظائف أميركية وانخفاض الأجور، وهو قلق عكسته على نحو مؤلم المعاناة التي واجهها عدد من العمال الأميركيين الذين رأوا الوظائف تذهب إلى الخارج. والأكيد أن صعود الاقتصاد العالمي، والتقدم التكنولوجي، وعوامل أخرى غيّرت أماكن العمل في أميركا. ولكن إلى أي مدى ساهمت «نافتا» في ذلك؟ الواقع أن علماء الاقتصاد مختلفون. فقد خلص تقرير لـ«خدمة بحوث الكونجرس»، يقيّم التأثير العام لهذه الاتفاقية على الاقتصاد، إلى قرار منقسم: «في الواقع، «نافتا» لم تؤد إلى خسارات كبيرة للوظائف التي يخشاها المنتقدون أو إلى مكاسب اقتصادية كبيرة التي يتوقعها الأنصار». ذلك أن التجارة المرتبطة بـ«نافتا»، ورغم النمو المهم، تظل جزءا صغيرا نسبيا من إجمالي الاقتصاد الأميركي. ومع ذلك، تشير الدلائل إلى خلق للوظائف وإلى توفير عدد أكبر من الوظائف ذات الأجور المرتفعة في الأثناء. ووفق غرفة التجارة الأميركية، فإن حوالي 14 مليون وظيفة أميركية تعتمد على التجارة مع كندا والمكسيك، قرابة 5 ملايين منها يعود الفضل فيها إلى الزيادة في حجم التجارة التي خلقتها «نافتا». إن الاتفاقيات التجارية تعتبر بمثابة رهان طويل الأمد على المستقبل، وهذا درس جيد للتخلص من أشباح «نافتا». فهذه الاتفاقية لم تخترع قوى العولمة، ولكنها طوّعتها وأثّرت فيها على نحو يخدم مصالح الولايات المتحدة. ولا شك أن «الشراكة عبر المحيط الهادي» يمكنها أن تواصل ذلك العمل. توماس ماكلاري الثالث: رئيس سابق لموظفي البيت الأبيض ومبعوث خاص سابق إلى الأميركيتين في إدارة كلينتون ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»