ليس جديداً اهتمام الرئيس أوباما بالأوضاع الداخلية في هذا البلد أو ذاك من بلاد العالم. سبقه إلى ذلك كثير من الرؤساء الأميركيين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالدول الكبرى معنية، بحكم مصالحها العالمية، بما يحدث في داخل بلاد أخرى. ولا يقتصر ذلك على الطبقة الحاكمة، بل يشمل مراكز البحث والتفكير التي تهتم بما يحدث في داخل بلاد أخرى أكثر مما تُعنى بالأوضاع الداخلية في بلدها. وقد أصبحت الأوضاع في داخل دول منطقة الشرق الأوسط أكثر إثارة لاهتمام الأميركيين في العقدين الأخيرين، وخاصة منذ هجمات سبتمبر 2001. ولذلك لا يثير استغراباً أن ينصح أوباما الدول العربية، في إطار دفاعه عن تقارب إدارته مع إيران، بأن تنظر إلى التهديدات الداخلية أكثر مما تركز على التهديد الذي تمثله طهران. غير أن هذه الدول لا تحتاج إلى نصيحة لأنها تواجه التهديدات الداخلية بالفعل، بغض النظر عن مدى فاعلية هذه المواجهة في مرحلة أو أخرى. فحاجة الولايات المتحدة إلى مثل هذه النصيحة قد تكون أكبر من غيرها، في الوقت الذي تتفاقم أزمة النظام السياسي- الاجتماعي فيها بصورة لا سابقة لها. ويبدو الصراع بين البيت الأبيض والأغلبية الجمهورية في الكونجرس الجديد أحد تجليات هذه الأزمة. وإذا كان هذا الصراع واضحاً بما يكفي في السياسة الخارجية، وخاصة في الخلاف الواسع على كيفية إدارة العلاقات مع إيران، تظل تداعياته الداخلية المحتملة في الأمدين القريب والأبعد أشد خطراً. وكان خطاب «حالة الاتحاد» الذي ألقاه أوباما في 20 يناير الماضي مؤشراً على ذلك. فقد طرح في هذا الخطاب، الذي قد يجوز اعتباره الأهم منذ دخوله البيت الأبيض في يناير 2009، جدول أعمال يتعارض مع التوجهات اليمينية للأغلبية الجمهورية، الأمر الذي سيجعل السياسات المتعلقة به في قلب الصراع بينهما. غير أن هذا الصراع، وما يمكن أن يؤدي إليه من تعطيل متبادل لقرارات رئاسية وتشريعات برلمانية، ليس هو جوهر أزمة النظام الأميركي بل هو أحد تجلياتها في اللحظة الراهنة. فتعود هذه الأزمة، في أصلها، إلى جمود النظام الأميركي وعدم قدرته على التجدد وتراجع ثقة قطاعات متزايدة من الشعب فيه. فقد أصاب الجمود آليات العملية الديمقراطية وجعلها شكلاً فارغاً من مضمونها، على نحو أدى إلى ازدياد الشكوك في قدرتها على التعبير عن الإرادة الشعبية. وهذا يفسر تراجع ثقة كثير من الأميركيين في جدوى هذه الآليات، وفي مقدمتها الانتخابات التي انخفضت معدلات الاقتراع فيها إلى أدنى مستوى في تاريخ الولايات المتحدة. وهذا هو ما يُنبه إليه عدد كبير من الأكاديميين والخبراء الأميركيين منذ سنوات. وكان كتاب فرانسيس فوكوياما الصادر العام الماضي، تحت عنوان «النظام السياسي والتحلل السياسي.. من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية» من أهم أجراس الإنذار التي قرعها خبراء أميركيون للتنبيه إلى أخطار تحلل النظام الديمقراطي من داخله نتيجة جموده وخضوعه لطبقة سياسية تباعدت المسافات بينها وبين فئات متزايدة في المجتمع. وعلى الرغم من أن كتاب فوكوياما صدر قبيل انتخابات الكونجرس الأخيرة التي أسفرت عن سيطرة الجمهوريين على مجلسيه، فقد كان من أهم ما نبَّه إليه في هذا الكتاب خطر تحول الديمقراطية إلى ما أسماه «فيتوقراطية» Vetocracy نتيجة تنامي الصراع داخل الطبقة السياسية، وتعطيل أهم مؤسسات الدولة من خلال استخدام كل من البيت الأبيض والكونجرس «الفيتو» للاعتراض على ما يصدره الآخر من قرارات أو تشريعات. ويتندر بعض ناقدي ما آل إليه النظام الأميركي من جمود على ما يرونه إفلاساً لهذا النظام قد يؤدي إلى تكريس نفوذ بعض العائلات السياسية. فبعد أن أعلنت هيلاري كلينتون (زوجة رئيس أسبق) في 13 ابريل الماضي ترشحها لانتخابات 2016 الرئاسية، يسعى جيب بوش (الشقيق الأصغر للرئيس السابق وابن رئيس أسبق) إلى تعزيز موقعه بين المتطلعين للترشح عن الحزب الجمهوري. وهكذا تبدو أزمة النظام الأميركي هي نقطة الضعف الأولى التي ستعاني منها الولايات المتحدة في الفترة المقبلة، بعد أن كان هذا النظام أحد أهم مصادر قوتها، والعامل الرئيسي الذي مكنها من التفوق على الاتحاد السوفييتي السابق وحسم الحرب الباردة لمصلحة الغرب.