لنفترض مجرد افتراض، يحتمل الخطأ والصواب، أن السنّة أو بالأحرى أن العشائر (تجنباً لتصنيفات مذهبية لا يحبذها كثيرون) في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وديالى تتعاطف مع تنظيم «داعش» وتنعم بسيطرته ولا تريد التخلص منه، فلماذا ترسل نداءات متكررة لمساعدتها وتطالب بتسليح أبنائها، بل تشكلّ وفوداً لإبلاغ بغداد استغاثاتها؟ ولماذا تُلام إذا ذهبت وفودها إلى واشنطن وعواصم أخرى لطلب عون لم يجد آذاناً صاغية من جانب حكومة يُفترض أنها حكومتها، هل تبذل العشائر كل هذا الجهد للحصول على سلاح تخطّط لتسليمه إلى «داعش» أم بهدف الدفاع عن النفس بعدما أعدم هذا التنظيم حتى الآن أكثر من ألف من أفرادها، ولا يزال يحتجز المئات؟ واستطراداً، لماذا تُهاجم واشنطن اذ تخطو نحو إقرار مشروع قانون يتيح تسليح العشائر من دون المرور بحكومة بغداد، طالما أنها تتجادل منذ نحو عام مع هذه الحكومة، ولم تتمكّن من اقناعها بضرورة هذا التسليح لإشراك السكان في تحرير مناطقهم؟ حكومة حيدر العبادي تدافع عن الدولة وحقّها في تحرير أرضها من الإرهاب، ومعها كل الحق، بل هذا واجبها. لكن تجربتي «ديالى» و«تكريت» في إقحام ميليشيات «الحشد الشعبي»، إلى جانب قوات بعض من أفرادها يذهب إلى الثأر أكثر مما يمضي إلى قتال من أجل الدولة، أثبتتا أن «التحرير» في سبيله لأن يكون اخضاعاً من فئة لفئة أخرى شريكة في الوطن، وأن الأحقاد التي تُزرع إبان تحقيق الهدف المنشود (محاربة «داعش») تنطوي على مجازفة بتأسيس علاقة غير سليمة بين أبناء البلد الواحد واستيلاد قسري لمن هم أدهى من «الدواعش». وقد اغتنم العبادي إحدى المناسبات أخيراً ليذكّر من فاتهم الأمر بأنه لم تعد هناك ميليشيات في العراق لأن «الحشد الشعبي» بات يتمتّع بشرعية قانونية. هذا يضاعف مسؤولية حكومته عن ارتكابات هذه القوات، فهي ميليشيات لأنها ليست في صلب الجيش الحكومي - «الوطني» ولأن مرجعيتها ليست الجيش ولا الحكومة، بل إن مرجعيتها الحقيقية هي إيران، أو أحزابها المرتبطة بإيران. في أي حال، يُطرح التساؤل كيف وجدت حكومة بغداد المبررات القانونية لإضفاء شرعية قانونية على ميليشيات «الحشد الشعبي»، ولم تتمكّن من إيجاد إطار عسكري تابع للجيش ويتكفّل بتنظيم العشائر وتسليحها والاعتماد عليها في محاربة «داعش». بل كيف وجدت المال لتحمّل كلفة «الحشد» وتذكّرت أزمتها المالية عندما مسّت الحاجة إلى تسليح العشائر؟ الإجابة بسيطة: منذ البداية لم تكن الحكومة موافقة على رغبة الأميركيين في إشراك العشائر في الحرب، لذلك أضاعت شهوراً عدة في المماطلة والتسويف. فالاستراتيجية الإيرانية تمثلت في وضع الأميركيين أمام أمر واقع هو أن القوات المتوفّرة لقتال «داعش» تقتصر على بضع وحدات من الجيش مسندة بالميليشيات، وإلا فإن «التحرير» سيتأخّر. لكنه تأخر بالفعل. وقد يتأخر أكثر، إذا لم يكن التحضير سليماً. فمن الخطأ تكرار سياسات حكومة نوري المالكي بعد كل الذي حصل خلال العامين الماضيين. في ردود الفعل على مناقشة المشروع الأميركي قفزت الأحزاب الشيعية العراقية مباشرة الى اعتباره «بداية لتقسيم العراق» طالما أنه يتجاوز حكومة بغداد لتسليح الأكراد والعشائر السنّية، كما لو أنهم في «دولتين منفصلتين». يمكن أن تُنسب كل النيات السيئة للولايات المتحدة، لكن عزمها على هذا التسليح مستمد من متابعتها وفهمها للأخطاء السابقة التي ارتكبت حيال السُنّة وأدت بالتالي إلى صعود «داعش». وكان يُفترض أن تبادر بغداد إلى وضع خطة متكاملة لاحتضان العشائر وتشجيعها على الانخراط ضد الإرهاب، لا أن تتمادى في إذلالها وتضطرها لمد اليد إلى الشيطان «الداعشي»، ولا يزال مطلوباً من الحكومة أن تكون معنية فعلاً بهذا الاحتضان طالما أنها رافضة التقسيم. فمن لا يريد التقسيم عليه أن يُحسن الحفاظ على الوحدة، وأن يحرص على القيام بما يلزم للتقريب بين العقول والقلوب. كان التعامل مع النازحين من الأنبار إلى بغداد مخزياً إلى حد كبير، خصوصاً من جانب الدولة بمدنييها وعسكرييها وأمنييها. وكان على العكس إنسانياً على المستوى الشعبي. وأياً تكن الدوافع والضغوط، فإن ردّ نازح داخل بلده، ومن دون تدبّر حلول كريمة له، لا يعني سوى أنه أصبح غريباً ودخيلاً غير مرغوب فيه. أبهذا التصرّف تريد حكومة بغداد ابلاغ أنها قادمة لـ «تحريرهم»، لا أسلحة لمن يريدون الذود عن أهلهم وكرامتهم، ولا مأوى لنازحيهم؟!