أكاد أجزم بأننا نشهد اللحظة هذه انتكاسة في حملات الوعي والصحوة التي شهدتها مجتمعاتنا الخليجية في السنوات الأربع الماضية حول الأثر المدمر لتنظيم «الإخوان المسلمين»، والجماعات التي ولدت من رحمه، حيث نشهد ما يشبه حملة مضادة لإعادة الاعتبار لهذا التنظيم الخبيث، أو على الأقل لزوم الصمت وتحاشي العداء معه. وقد جاءت كلمة أخبار الساعة في عدد «الاتحاد» يوم أمس الأحد حول سراب هذه التنظيمات في وقتها. كان الصحابي عبدالله بن مسعود يقول: «كلنا كأسنان المشط، ولكن حين تأتي الفتن تباين كل واحد منا عن صاحبه». كانت الإمارات سباقة في الوعي المتقدم ضد «الإخوان المسلمين»، ولا تزال تحمل هذا العبء شبه وحيدة. قبل 2011، ربما كانت الإجراءات التي اتخذتها الإمارات محل استغراب وعدم ارتياح خليجياً، ولكن بعد يناير 2011 تعاظم الشعور بما يمكن أن تقوم به هذه المنظمة وأخواتها من تدمير وخطر حقيقي ووجودي على دول الخليج. ولكن ذلك أيضاً رافقته حملة إعلامية وعدائية من جهات ومنظمات دولية متعاطفة مع التنظيم، وهي لا تزال حتى اللحظة بشكل متفاوت. الآن ثمة شعور يتنامى في المجال السني بأنه من المضجر إثارة هذه المسألة، إلا أن التاريخ متخم دائماً بالدروس. فالمزاج العالمي لقادة العالم الغربي بعد الحرب العالمية الثانية كان غير راغب في إثارة المخاوف من الاتحاد السوفييتي، تماماً كما أن المزاج الأوروبي في العام 1930 لم يكن متحمساً لإثارة المخاوف من النازية الصاعدة في ألمانيا، بل إلى حد ما، كانت ألمانيا عبئاً كبيراً على ضمير الأمم الأوروبية المنهكة من الحرب الأولى، ولم يكن قادتها في مزاج يتقبل إثارة المشاكل مع الألمان. بعد 1945 كانت أميركا تكافح الشيوعية داخل أراضيها، ولكنها كانت في الوقت نفسه غير مستعدة لفتح أبواب النقد والفزع من الاتحاد السوفييتي الذي كان حليفها الأكبر ضد النازية وهتلر. ولهذا حين ألقى تشرشل خطابه الشهير في الولايات المتحدة الأميركية عن السور الحديدي الذي يشاد في أوروبا، تلقى نقداً وهجوماً من الصحافة الأميركية والبريطانية، وبدوره أنكر الرئيس ترومان علمه المسبق بمضمون الخطاب، ووصفه الإعلام السوفييتي بأنه عنصري يعيش في ظلمات التاريخ. إلى حد ما هذه اللحظة تشهد نوعاً من نسج مزاج مقارب ينفر من أي تحذير أو توعية أو أخذ مخاطر «الإخوان» على محمل الجد. يشير خبير أميركي شغل منصباً مرموقاً في وزارة الدفاع الأميركية في عام 2003 إلى أن لـ«الإخوان» جذوراً متأصلة في الولايات المتحدة كما هو الحال في الشرق الأوسط، ولذا فإن مساعي حقيقية يجب أن تسخّر من أجل مواجهة تأثيرات الأيديولوجية الخبيثة لهذه الجماعة. ويقول لا يكفي أنْ تتمّ تسمية التنظيم باللاقانوني أو الإرهابي ومحاكمة أفراده في دولة أو دولتين في الشرق الأوسط، بل يجب اتخاذ خطوات أكثر مرونة من أجل مواجهة الشعبية التي يملكها «الإخوان» في المنطقة. بعد الحرب العالمية الثانية كان من المتوقع أن تصبح إيطاليا خاضعة للشيوعية ولكن مساعي أميركية مكثفة حالت دون ذلك. يقول «سونر كاغابتاي» عن الخطة: «كانت قفزة كبيرة تمّ إقرارها في أعلى مستويات الحكومة.. أن الصراع كان سياسياً.. لا يمكن تحقيق النصر في إيطاليا بخطوات صغيرة». من بين الخطوات الكبيرة التي أقرّتها الولايات المتحدة لتجنيب إيطاليا مصير الشيوعية كان تأسيس «هيئة التخطيط السياسي» التابعة لوزارة الخارجية و«مجلس الأمن القومي» الذي كان أول توجيهاته: تفادي تحوّل إيطاليا إلى دولة شيوعية. ويقول في ورقته إنه من بين الإجراءات الأخرى التي اتخذتها الولايات المتحدة كان العمل على عزل الشيوعيين الإيطاليين وإقامة نشاطات معلوماتية من أجل مواجهة التضليل الشيوعي وتثبيط الدعم للشيوعيين بين الإيطاليين عن طريق التهديد بوقف الهجرة. لقد كانت الحملة الأميركية طويلة ومكلفة ولكن بحلول عام 1958 كانت إيطاليا بيد الديمقراطيين المسيحيين لما تبقى من الحرب الباردة وخرجت عن سيطرة الشيوعيين».