في أسبوع واحدٍ زار صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة المملكة العربية السعودية مرتين ضمن وفدٍ رفيع المستوى، الزيارة الأولى كانت للطائف للطيارين والضباط والعسكريين الإماراتيين المشاركين في «عاصفة الحزم» مع الأمير محمد بن سلمان، والزيارة الثانية كانت للرياض لتهنئة القيادة السعودية الجديدة ممثلة بولي العهد الأمير محمد بن نايف وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. زيارتان مهمتان، حملت الأولى الطابع العسكري، وحملت الثانية الطابع السياسي، تم خلال الأولى استعراض ضخم للطائرات المقاتلة ونخبةٍ من الطيارين والعسكريين المشاركين في «عاصفة الحزم» مع الشيخ والأمير، وهي زيارة تضع نقاط النصر على حروف الحزم. وقد تحدث الشيخ محمد بن زايد مع الطيارين قائلاً: «قسماً بالله إننا نحسدكم» وهي كلمةٌ تعبر بصدق عن مشاعر مواطني الدول العربية التي تشكل التحالف العربي للقضاء على ميليشيات «الحوثي» وداعميها في اليمن والمنطقة، حيث علت الروح الوطنية والفخر بالأوطان والرغبة العارمة في خدمتها والذود عن حياضها بالغالي والنفيس، وهو إحساس طاغ بالانتماء تمنى معه الكثيرون أنْ لو كانوا طيارين أو عسكريين ليخدموا أوطانهم في ساعة الشدة بشكل مباشر. أما الزيارة الثانية فكانت زيارة سياسية لا تؤكد الاستمرار في التحالف العربي في «عاصفة الحزم»، بل تعمّق التعاون الاستراتيجي بين الدولتين وتوضح مدى الأخوة والعلاقات القوية بين قيادتي البلدين، وأن التحالف بين الدولتين الذي أنقذ مصر 2013 مستمر ويزداد عمقاً ورسوخاً، وفي هذا صرّح الشيخ محمد بن زايد بعد الزيارة قائلاً: «إن التعاون الاستراتيجي بين البلدين يزداد قوةً». إن العلاقات الاستراتيجية بين البلدين ضاربة الجذور في التاريخ حتى قبل ظهور الدولة الحديثة في البلدين، علاقاتٌ تسودها الأخوة وتقودها المصالح المشتركة ووحدة الثقافة والعادات والتقاليد العربية العريقة، وبعد قيام الدولة الوطنية الحديثة استمرّت العلاقات بنفس الحرارة والزخم وتم تحويلها لعملٍ مؤسسي ترعاه القيادة، وتعبر عنه مؤسسات الدولة. وقد رسخت القيادتان التآخي التام بين دولتين شقيقتين منذ عهد الملك فيصل والشيخ زايد والتي استمرت لعقودٍ ممتدةٍ، والتي دعمت حرب العرب 1973 بقرار قطع إمدادات النفط والاستعداد للعودة لحياة البداوة ضمن لحظةٍ تاريخيةٍ معينةٍ كانت فاعلةً ومؤثرةً في وقتها وزمانها. وقد اتفقت الدولتان على رفض الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية ورفضتا 1979 الثورة الإسلامية في إيران التي أصرت على الاحتلال والتي رفعت شعار «تصدير الثورة» وقصدت به إثارة المشكلات داخل الدول العربية واستهدافها ببسط النفوذ والهيمنة. بعد ذلك استمرت الدولتان في الحرب العالمية الباردة ودعمتا أفغانستان ضد الاحتلال السوفييتي في حربٍ تنمّ عن توافق الرؤية ومعرفة المصالح وحمايتها، كلٌ بطريقته، وتم الانتصار السياسي والعسكري، الذي أنهى الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفييتي وتقسيمه. واستمرت بعدها العلاقات على أعلى المستويات بين الشيخ زايد وملوك السعودية خالد وفهد وعبدالله، وقرار بناء التحالف الدولي وتحرير الكويت من غزو صدام حسين 1990، والذي شاركت فيه الإمارات بقوةٍ عسكرية وقيادة من الشيخ محمد بن زايد، وبعد 2001 دخلت الدولتان حرباً دوليةً ضد الإرهاب، وتنظيم «القاعدة»، وقدمت كلٌ منهما أدواراً مهمةً ومتكاملةً في القضاء على الإرهاب. تشترك القيادتان في البلدين برؤية مشتركةٍ تجاه ما كان يعرف بـ«الربيع العربي»، حيث رأتا فيه خراباً ودماراً، وأصوليةً صاعدةً وإرهاباً متعاظماً، والذي أعقبه قرار القيادتين بدعم رغبة الشعب المصري في استعادة الدولة المصرية عبر الجيش المصري، وكذلك إنقاذ البحرين من الاضطرابات عبر دخول قوات «درع الجزيرة» للمنامة وصولاً إلى اليوم حيث «عاصفة الحزم»، وحيث يصل التوافق مستويات جديدةٍ في معركة مصيرية تقودها الدولتان لا ضد ميليشيات «الحوثي» فحسب، بل ضد كل خصومهما في المنطقة، والتي يقف على رأسها المشروع الإيراني المعادي والمخرب. لم يفتأ خصوم الدولتين في محاولات مستميتة لبث الإشاعات ومحاولة دق إسفين في العلاقات بين الدولتين وبينهما من جهة وبين الدولة المصرية من جهة أخرى، ولكنها مؤامرات مكشوفة ورخيصةٍ تقودها إيران وجماعة «الإخوان المسلمين»، وهم لم ولن تفلح لأنها تحاول المستحيل. أخيراً، فإن أي استشرافٍ للمستقبل يؤكد أن هذا التعاون الاستراتيجي بين القيادتين سيستمر ويتعاظم ويزداد قوةً وتماسكاً تدفع إليه قوة التاريخ وتعززه العلاقات الأخوية العميقة الجذور والرؤى المشتركة والمصالح المتكاملة.