يفصلنا عن الانتخابات البريطانية أقل من أسبوع، ويتفق محللو نتائج استطلاعات الرأي ووكلاء المراهنات على وجود فوضى غير متوقعة، ولاسيما أن النتيجة الأكثر ترجيحاً هي مجيء حكومة أقلية عمالية يدعمها القوميون الإسكتلنديون. وبالطبع لا يلومنّ حزب المحافظين الحاكم إلا نفسه على هذه الحالة التي وصل إليها. وبكل المعايير، كان ينبغي أن يتصدر رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، فلديه رصيد اقتصادي قوي يستطيع الحديث عنه، كما أن خصمه زعيم حزب العمال إد ميليباند، لا يرى فيه كثير من البريطانيين زعيماً لهم. ولكن المتبرعين للمحافظين، يتهمون كاميرون بإدارة حملة انتخابية ضعيفة. وإذا ما أقصي كاميرون في السابع من مايو الجاري، فسيكون ذلك لأنه أعار اهتماماً أكبر من اللازم لأعضاء حزبه في البرلمان المهووسين بأوروبا خلال العامين الماضيين، بدلاً من محاولة تغيير مظهر المحافظين وسمعتهم كـ«حزب بغيض»، تحكمه النخبة الثرية في البلاد. وعادة ما يتبنى السياسيون قضية كبرى تميزهم. ويمكنهم انتقاد أمور أخرى، وتحقيق مكاسب، ولكن تكون القضية المركزية هي جوهر حملتهم. وقد بدأ كاميرون في عام 2010 بما تعين عليه القيام به من خلال حزبه المحافظ الأكثر حداثة وانفتاحاً لإنقاذ الاقتصاد البريطاني من براثن الأزمة المالية. واتسم هؤلاء المحافظون ذوو المظهر الجديد بأنهم مسؤولون مالياً، ومنصفون أيضاً. وقال كاميرون في خطابه عام 2009: «إن ما يتعين فعله بصورة تدريجية وتحمل مسؤولية القيام به هو السيطرة على الدَّين، ولكن بطريقة تجتمع عليها البلاد بدلاً من تفككها. ويعني ذلك إظهار القيادة في قمة الهرم الإداري المسؤولية، ولهذا السبب سنخفض رواتب الوزراء ونثبت مستحقات أعضاء البرلمان». وأضاف: «ويعني ذلك تأكيد أننا جميعاً في المركب ذاته، ولذا أيضاً سنثبت رواتب القطاع العام باستثناء الموظفين، الأقل دخلاً البالغ عددهم مليون نسمة، لمدة عام واحد من أجل المساعدة في حماية الوظائف». وتابع كاميرون: «ويعني ذلك أيضاً تأكيد أن الأغنياء سيدفعون نصيبهم، ولهذا السبب ستبقى الآن ضريبة الـ50?، وسيتم وقف صناديق الأطفال لأصحاب الدخول المتوسطة والمرتفعة». ولكن بعد مرور عامين، تحولت قضية كاميرون المميزة إلى وحشي أوروبا والهجرة التوأمين. ولم يكن ذلك هو الطريق الذي أراده، وإنما ترك نواب حزبه في البرلمان يخيفونه من صعود شعبية حزب الاستقلال البريطاني وتوجيهه إلى موضوع لا يمكنه السيطرة عليه. ومن ثم، وعد بإجراء استفتاء على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وتورط في محاولات الوفاء بوعد لا يمكن الوفاء به وهو خفض صافي أعداد المهاجرين إلى عشرات الآلاف (بينما بلغ عددهم العام الماضي 300 ألف). وكان على كاميرون الحفاظ على فكرته الأصلية عندما عكف على إصلاح الاقتصاد وهي «أن نبقى جميعاً في مركب واحد». ولو أنه أقنع البريطانيين، بأنه قد اتخذ قرارات صعبة لوضع البلاد على طريق التعافي المستدام، وأنه فعل ذلك بطريقة توزع المسؤولية بإنصاف، أتصور أنه كان سيحقق أداء أفضل بكثير الآن. وبدلاً من ذلك، هيمنت أوروبا والهجرة على أجندة كاميرون خلال العامين الماضيين قبل الانتخابات، بما في ذلك تلك الأفكار السيئة مثل الإعلانات المتحركة في جميع أجزاء لندن التي تخبر المهاجرين غير الشرعيين بأن «عليهم العودة إلى أوطانهم أو مواجهة الاعتقال». وبالنظر إلى أن موضوع الاتحاد الأوروبي لا يأتي في مقدمة مخاوف الناخبين، فدائماً كان الحديث عنه هامشياً خلال هذه الحملة، وعلى الرغم من أن الهجرة تمثل أولوية لكثيرين إلا أنها لا يمكن أن تكون عاملاً مرجحاً في الفوز بالانتخابات، لأنه لا توجد استراتيجية حقيقية يستطيع البريطانيون قبولها لتقليصها بصورة جذرية. وعلاوة على ذلك، تضاءلت شعبية حزب الاستقلال البريطاني بشكل كبير مع اقتراب انتخابات السابع من مايو. ويلجأ الآن كاميرون إلى إيماءات اللحظة الأخيرة من أجل توجيه رسالته الاقتصادية بأساليب قد تقوض شهرته بالحكمة المالية. وبداية وعد بثمانية مليارات جنيه استرليني إضافية من أجل هيئة الصحة الوطنية، ثم قال إنه سيمنح مزيداً من المستأجرين الحق في شراء شققهم بأسعار مخفضة، ومؤخراً تعهد بتمرير قانون يحظر زيادة الضرائب على الدخل أو الضمان الاجتماعي أو ضريبة القيمة المضافة خلال سنوات البرلمان الخمس المقبلة. وهذه الأفكار تهدف إلى جعل الناخبين المترددين يشعرون بأن المحافظين إلى جانبهم. ولكن ليس من الواضح من أين ستأتي هذه المليارات الثمانية، كما أن تمديد الحق في شراء الشقق السكنية ربما يفاقم نقص المساكن البريطانية، ومحاولة تكبيل أيدي وزارة الخزانة فيما يتعلق بالضرائب بينما يمكن أن تتغير ظروف الاقتصاد العالمي تبدو فكرة غير حكيمة. يُنشر بترتيب خاص مع «خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»