طوال الأيام الماضية بعد وقوع تلك الدراما والمأساة الإنسانية قرب الشواطئ الإيطالية، التي أسفرت -حتى الساعة- عن غرق ما يزيد على 800 معظمهم من مواطني بلدان أفريقيا، ومن بينهم أكثر من 100 طفل حشروا في قوارب الموت وحيدين، ظلت الصحافة والتلفزيون ينشران تلك الصور التي تدمي قلوب المشاهدين وتنزف لها الإنسانية جمعاء.. وقد ظلت مأساة اللاجئين الأفارقة هي الشغل الشاغل لأجهزة الإعلام إلى حين انفجرت مأساة أخرى عقب الزلزال الذي ضرب نيبال، تلك الدولة الصغيرة والفقيرة، فانتقل الزخم الإعلامي والعون الدولي إلى ذلك البلد الآسيوي. ولكن الفارق بين مأساة نيبال ومأساة ضحايا قوارب الموت الأفارقة، هو أن تلك مأساة من صنع الطبيعة، وهذه مأساة- جريمة من صنع مجموعات من البشر تجردوا من كل قيم ومعاني الإنسانية، وأعادوا إلى الذاكرة عهود الرق والاتجار بالبشر.. وفي خضم التعليقات والمقالات التي نشرت في الصحف وأذيعت في التلفزيون برزت الأسئلة الصعبة التي كان من المفترض أن تبرز وتثار قبل سنوات منذ أن أصبح طريق البحر المتوسط من منفذه الليبي طريقاً يقود أولئك المواطنين الأفارقة البؤساء إلى الموت غرقاً، ذلك الموت الذي من شدة خوفهم منه في أرض بلدانهم المنكوبة بالعنف والحروب والفقر ذهبوا ليركبوا الصعب تفادياً له ليموتوا أخيراً غرقاً في مياه البحر المتوسط في مراكب لا تصلح حتى لترحيل الحيوان ناهيك عن الإنسان. ومع مرور الأيام الحزينة والبطيئة، توالت الاكتشافات والفضائح التي صحبت رحلات الموت تلك منذ سنوات، فمثلاً كشفت المنظمة الدولية للهجرة أن عام 2014 قد شهد وفاة 3279 طالب لجوء أفريقي إلى أوروبا غرقاً، بينما بلغت حصيلة الغرقى في هذا العام، أي الثلث الأول من عام 2015 فقط، 1700 غريق، وتنبأت المنظمة الدولية المتخصصة بأن هذا العام سيشهد غرق حوالي 30000 إذا سارت الحال على هذا المنوال. وبدورها، كشفت الصحافة الإيطالية أن بحرية بلادها قد أنقذت حياة ما يزيد على 160000 مهددين بالغرق في المتوسط في عام واحد انتهى في نوفمبر عام 2014، من خلال عملية مولها الاتحاد الأوروبي.. ولكن في شهر نوفمبر المذكور، قرر الاتحاد الأوروبي إيقاف العملية البحرية التي استهدفت البحث وإنقاذ ركاب قوارب الموت قبل وقوع الكارثة، واستبدلتها بعملية بحرية صغيرة لمراقبة الحدود البحرية بديلاً عن عملية البحث والإنقاذ توفيراً للنفقات. وقبل وقوع حادث الأسبوع الماضي المأساوي، كانت المعلومات متوافرة أمام القادة والسياسيين والموظفين الأوروبيين وكل التوقعات بحدوث ما وقع، ولكن أوروبا التي تعيش بعض بلدانها هذه الأيام مرحلة مد يميني متطرف، مدفوعة بحوادث وقعت هنا وهناك، وكان المتورطون فيها في الأصل من المهاجرين.. بدواعي الأمن والسلامة ومكافحة الإرهاب، أصبح ضحايا جل الغرقى الأفارقة القادمين من بلدان أفريقيا. ولم يتوقف واحد من القادة والسياسيين الأوروبيين قبل حادث الغرق الجماعي ليتساءل وليبحث عن الأسباب التي تدفع أولئك الأفارقة البؤساء لركوب الصعب هرباً من بلادهم والبحث عن موطن جديد يوفر لهم الأمن والسلامة ومستقبلاً أفضل لأطفالهم؟ الآن وبعد أن وقعت الكارثة الكبيرة وقد سبقتها كوارث، ولكن ليس بهذا الحجم (800 غريق) تحرك الضمير الإنساني الأوروبي، وتضامن معه الضمير الغربي في عملية تهدف للحد من أخطار هجرة ركاب قوارب الموت! وهي عملية ستقودهم قطعاً لتلك العصابات الإجرامية التي احترفت هذه التجارة الإجرامية.. والمتاجرة بأرواح البشر والعودة إلى عهود تجارة الرقيق.. ونقطة انطلاقها من ليبيا ومنطقة وصولها في إيطاليا وقد يصلون إلى مناطق تجمع قوارب الموت وقد ينجحون في تحطيمها، ولكن كل الإجراءات الأمنية التي اتخذت لن توقف هذه التجارة الإجرامية وأصحابها من الأوروبيين ووكلائهم من الأفارقة. والآن المطلوب فعلاً هو الإجراءات العاجلة للاهتمام بطالبي اللجوء الأفارقة الذين أنقذهم حظهم الحسن والبحث عن جثث بقية الغرقى.. ولكن العمل الأعمق والمطلوب من المجتمع الدولي المتقدم هو البحث عن جذور الأسباب التي تدفع الإنسان الأفريقي للمغامرة بحياته وأطفاله والبحث عن ملجأ له في أوروبا عوضاً عن وطن يهدده فيه الموت كل يوم. ------------ كاتب سوداني مقيم في كندا