وصفت الدول الأوروبية الدولة العثمانية بأنها «الرجل المريض» الذي يئس من شفائه حتى يموت وتقطع أوصاله، فتستولي كل دولة أوروبية على جزء من الغنيمة. فاقتطعت تونس والجزائر والهند، وآن الأوان لانقطاع مصر والشام والحجاز. وكانت آسيا الشرقية قد تم اقتطاعها من قبل على يد هولندا والبرتغال منذ سقوط غرناطة 1492. وقد تبعنا نحن هذا الوصف للدولة العثمانية ولم نحاول إعادة كتابة تاريخها من منظور إسلامي ووطني. فقد كانت الدولة العثمانية على رغم كل عيوبها رمزاً للوحدة الإسلامية، تقف في مواجهة مطامع الدول الأوروبية رمزاً للتحدي وإثباتاً للهوية الإسلامية ضد التغريب والتمييع في الآخر. تتعلق بها قلوب المسلمين في مصر والهند، وتحافظ على فلسطين ضد بدايات الغزو الصهيوني. وقد حاول عرابي ما لم ننتبه إليه حتى الآن أن يقوم بثورة وطنية في مصر وفي الوقت نفسه المحافظة على الوحدة الإسلامية، سواء سميت الجامعة الإسلامية أو الجامعة الشرقية، وهي من الأسماء الجديدة التي ورثتها مصر تحت تعاليم السيد جمال الدين الأفغاني. رفض عرابي كل من خرجوا على «الدولة العلية» مثل خسرو باشا وحتى إبراهيم باشا في تلك الفتنة الدهماء التي دكت سياج الإسلام وكسرت شوكة «الدولة العلية» الحامية لجميع الموحدين. صحيح أن عرابي يذكر نفسه عربياً وأنه من أبناء العرب والأمة العربية، ولكنه يصف ذلك كواقع ونشأة وليس كمبدأ وعقيدة. كان عرابي يرى أن «الدولة العلية» خير ملاذ للدفاع عن المسلمين ضد أطماع الدول الأوروبية. لقد أوجس خيفة على مصائر البلاد ومطامع إنجلترا لالتهام وادي النيل كما فعلت فرنسا بتونس بدعوى التوازن الذي تدعيه أوروبا. وبعد مذكرة فرنسا وإنجلترا بحجة حماية السلطان والخديوي ضد الحركة الوطنية، رأى عرابي الاتجاه إلى السلطان والتمسك بمبدأ الجامعة الإسلامية حماية للأمة. ويقول أحد المؤرخين إن الناس كلهم قد اتجهوا إلى السلطان كمنقذ لهم، وأصبحوا ينظرون إلى عرابي على أنه عضد السلطان في مصر والحصن الحصين الذي تمتحن فيه الآمال بعد أن يئسوا كل اليأس من توفيق. ولم يكن هذا الاعتماد مجرد خطة سياسية بل كان عقيدة للحركة الوطنية في مصر منذ عرابي حتى مصطفى كامل وحزب «مصر الفتاه». كما يقول إن عرابي كان يعتمد على السلطان. فقد وجد المصريون أنفسهم لأول مرة مترابطين. وقد ألقى الشيخ محمد عبده ومن معه في زمرة الحزب الوطني الذي سبقهم بخطوات. وشعر الناس جميعاً بالاشمئزاز من التدخل الأجنبي. وأن أشد الناس نفوذاً مثل الشيخ الهجرسي كانوا يرون عرابي على حق في اعتماده على السلطان. ولهذا كسب عرابي كسباً عظيماً. ودار الكلام دائماً عن الجامعة الإسلامية. وكان عرابي يرى أن الدفاع عن المصريين هو في نفسه دفاع عن السلطان ضد أطماع الدول الأجنبية. وبالتالي، فإن وحدة المسلمين خير ضمان لوقوفهم أمام العدو المشترك. ولذلك كان عرابي يظهر الطاعة والولاء باستمرار للسلطان. وكانت بينهما المراسلات من خلال المشايخ ذوي الحظوة عند السلطان. وكان دائم التكرار أنه لم يشق عصا الطاعة كما يدعي الأوروبيون بل طالب بالتحديث باسم الذات الشاهانية حتى يعلم الجميع أن للبلاد سلطاناً شرعياً هو صاحب السيادة العظمى على البلاد المصرية، وأن الخديوي هو نائبه فقط بعد أن كانوا لا يعرفون لهم حاكماً شرعياً غير الخديوي. وكان جنود عرابي يهتفون في رأس الوادي يعيش السلطان. وقد تحدث طلبة بك أمام الوفد العثماني باسم عرابي مؤكداً هذا المعنى. ولقد حاول أعداء الحركة الوطنية الإيقاع بين السلطان وعرابي، فأرسل طلعت باشا الشركسي إلى القسطنطينية ليقول إن مصر في حالة ثورة، وإن هناك اقتراحاً لإنشاء إمبراطورية عربية. وأن أحمد عرابي والحكومة البريطانية قد اتفقا بينهما على هذا الأمر. فاتصل عرابي بالعالم الورع الشيخ محمد ظافر كاتم سر السلطان ومشيره الديني وأخبره بحقيقة الأمر. فاقتنع السلطان وطالبه بالدفاع عن البلاد بكل ثمن ضد الاحتلال، وإلا كان مآل مصر كمآل تونس، وأنه لا يعنيه من يكون حاكم مصر: إسماعيل أو حليم أو توفيق. ومع ذلك، حافظ عرابي على حرية الحركة على أرض مصر وعلى استقلال البلاد في إطار الوحدة الإسلامية. لقد أساء الأتراك حكم مصر واضطهدوا أنصار الحركة الدستورية والمنادين بالحرية في بلادهم. ولذلك لا ينبغي للقسطنطينية أن تتدخل في شؤون مصر. هناك فرق بين الحكومة العثمانية وبين السلطة الدينية للسلطان. فهو كأمير للمؤمنين تجب له الطاعة والإجلال إذا عدل. ------- أستاذ الفلسفة - جامعة القاهرة