أثار مقتل «فرخنده» المرأة الأفغانية ذات السبعة والعشرين عاماً في الشهر الماضي، امتعاض كثيرين وتنديدهم بمثل هذه الجريمة النكراء. ففرخنده لم تكن امرأة عادية، فقد كانت تدرس الشريعة وتحفظ القرآن، وكانت تحاول محاربة البدع والشعوذة التي يمارسها بعض المتطفلين والمسترزقين على رواد المساجد، بما في ذلك مسجد «شاه دو شامشيرا» في كابول، الذي قُتلت بالقرب منه. ويبدو أنها قد هددت صناعة أصحاب هذه البدع والترّهات التي يبيعونها على الفقراء والجهلة، ممن يؤمنون بقيمتها المزيفة. فأبوا إلا أن يتهموها، زوراً وبهتاناً، بحرق المصحف الشريف، وهو ما دفع الرعاع إلى ضربها ومهاجمتها حتى لفظت أنفاسها الأخيرة تحت رؤية وسمع رجال الشرطة الأفغانية! وهذه الحادثة ليست هي الحادثة الوحيدة من نوعها التي تتعرض لها النساء في بلدان فقيرة مثل أفغانستان، أو الهند، أو غيرهما من البلدان، ففي بعض البلدان تُباع المرأة وتُشترى وتهان كرامتها وربما تفقد حياتها بناءً على إشاعة مغرضة، وقول مسموم. وفي مختلف أنحاء العالم قد تقع جرائم ضد النساء، بما في ذلك جرائم الاغتصاب، بدون تدخّل رجال الشرطة لحماية أولئك النسوة. وفي الماضي القريب، كاد بعض مسلحي «طالبان» يقتلون «ملالا يوسف زاي) بسبب موقفها المساند لتعليم الفتيات، وعلى رغم ذلك، نجحت «ملالا» في التشبّث بالحياة وغدت رائدة من روّاد تعليم البنات، وأصبحت أصغر فائزة بجائزة نوبل للسلام. ومثل هذه الحالات، دفعت المنظمات الدولية إلى وضع جدول يقيس أداء مختلف الدول في حماية المرأة، والغريب أنّ أهم دولة جاءت على رأس الدول التي تحاول حماية حقوق المرأة، لم تكن دولة غربية، أو دولة غنية، بل دولة صغيرة تُسمّى «جزر المالديف» في المحيط الهندي، وأغلب سكانها من المسلمين. وهذا يدلّنا على أنّ حماية حقوق المرأة ليست حكراً على مجموعة من الدول، أو حتى تبوّء تلك الدولة درجة عالية من التقدّم العلمي، فمدوّنة حقوق المرأة في المغرب، تضع قوانينها في مقدمة القوانين والشرائع التي تحمي حقوق المرأة. ومن ناحيةٍ سياسية، فإنّ النساء هن أول من يتأثر بالحروب والصراعات. فمأساة اختطاف الفتيات من طرف مجموعة «بوكو حرام» في العام الماضي ما زالت عالقة في الأذهان. ومثل ذلك ما تعانيه المرأة في غزّة، محاولة حماية أطفالها من غدر الاحتلال وعنفه. وحال النساء ليست أيضاً على ما يرام في كل من سوريا والعراق، فالنساء وأطفالهن هم مادة الحروب وضحاياها. وبينما يقاتل الرجال في المعارك، تترك النساء لحماية الأطفال ورعايتهم، وربما كانوا جميعاً من أوائل من تحرقهم نيران الحرب وشظاياها. وقد أثارت اهتمامي قبل أيام صور نساء في منتصف أعمارهن يحملن السلاح في شوارع مدينة عدن ويفتّشن السيارات بحثاً عن ميليشيات الحوثيين، واستغربت كيف أن النساء في الأزمات يمكن أن يكنّ بالفعل شقيقات الرجال. وبما أنّ العالم العربي قد ابتلي بحروب لا نهاية لها، فمن الأوْلى فيه لمشرعي ورجال القضاء والقانون، أن يضعوا في أول اهتماماتهم سنّ القوانين الصارمة التي تحمي حقوق المرأة والطفل في وقت الحرب. وعلى رغم وجود مثل هذه القوانين والتشريعات الدولية في هذا الشأن، إلا أنها يجب أن تأخذ طابعاً ثقافياً عربياً وإسلاميّاً. وهنا يمكن لرجال الشريعة أن يبحثوا في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وكذلك في وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي أوامره إلى جيوشه ومقاتليه بعدم مقاتلة النساء والأطفال، والحرص على حمايتهم من ويلات الحروب. ومثل هذا الجهد من شأنه، إذا تمّ نشره وتعميمه في مواقع الصراع في العالم العربي، أن يحمي النساء وأطفالهن من بطش المقاتلين وعنفهم، وأن يسمحوا للنساء وأطفالهن بمغادرة بسلام أراضي المعارك وأماكن العنف. وهناك دراسات أكاديمية متعمّقة حول هذا الموضوع أجراها عددٌ من الباحثين، منهم الدكتورة «زينا زعتري»، والدكتور براء منذر كمال، ومعظمهم اعتمد على معاهدة جنيف الثانية، ونصوص القانون الدولي الإنساني. ومع أهمية هذه القواعد القانونية، إلا أنّ هناك مسألة أخلاقية لا زالت المجموعات المقاتلة سواءً في الحروب الأهلية، أو في الحروب الدولية في منطقتنا العربية، لا تعيرها الكثير من الاهتمام. وقد آن لنا أن نضع ميثاقاً قانونياً وأخلاقياً عربياً وإسلامياً يعالج مختلف أوجه هذا الموضوع، ويربطه بالقانون الدولي الإنساني، مع كل ما يعنيه ذلك من تداعيات قانونية وعقابية بحق المنظمات والمليشيات التي تخرق هذه المحرّمات من دون خوف من عقاب أو مساءلة. ---------- أستاذ العلوم السياسية - جامعة الملك سعود