يقع المحيط الهندي في متوسط العالم، ويلامس بصورة مباشرة 37 دولة يقطن بها قرابة 1.8 نسمة. هذا المحيط المهم مركز للعديد من سباقات التسلح التقليدي وغير التقليدي فضلاً عن الصراعات والحروب الأهلية والانفصالية، والحركات الأصولية من مختلف الأديان. وهو موطن أو متاخم لـ 75 في المئة من احتياطيات النفط والحديد والقصدير في العالم، لذلك تجد كل القوى العظمى لها حضور بحري بصور متعددة، وتصل لدرجة تنافسية أكثر من كونها تعاونية. والمهمة الرئيسية لجهودهم ليست مكافحة القرصنة بقدر تأمين السفن التجارية الخاصة بهم وتدفق موارد الطاقة، ومنع إعاقة التدفق الحر للسلع والخدمات في العالم. وقد يتساءل البعض عن سبب البرود النسبي بين الهند ودول الخليج التي تربطها بها مصالح تجارية ومهنية تاريخية تقدر بالمليارات، فالجواب هو دور الهند كقوة عالمية صاعدة وتقمصها دوراً جديداً، تلعب من خلاله دور القطب الأكثر تأثيراً على ضمان انسيابية تجارة العالم. وللهند دور ظاهر وخفٍ لزيادة نفوذها من هضبة إيران إلى خليج تايلاند، وخاصة أن الهند وإيران بينهما صفقة بمليارات الدولارات، تزود إيران بدورها الهند من خلالها بـ 7.5 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، والهند تزودها بتقنيات البرمجيات الحديثة، وتطور بعض موانئ التصدير لديها ناهيك عن مشاريع خط أنابيب لنقل الغاز من إيران إلى الهند عبر باكستان في عملية يمكن أن تقطع شوطاً طويلاً، نحو تحقيق الاستقرار في العلاقات الهندية-الباكستانية وبالتالي تطور علاقة أكثر حميمة بين الهند وإيران، ودخول باكستان في المثلث بدافع المصالح الاقتصادية والمذهبية وأهمية الغاز الإيراني لمستقبل التنمية في باكستان مما جعل برلمانها يصوت ضد تدخل باكستان عسكرياً في اليمن، بإيعاز من أطراف الحلف الأذكى في الأبعاد الجيوسياسية الساعية لقلب الطاولة تدريجياً على أميركا. ومن جهتها تنشط أميركا في إيجاد المزيد من القواعد العسكرية المطلة على المحيط الهندي والممرات المؤدية إليه، فهي أخطبوط، ولكن أرجل هذه الأخطبوط جميعها تمسك بشيء ما، ولابد أن يتخلى عن بعض ما يمسك به لمسك شيء آخر مهم، ولذلك اختلف دورها مؤخراً في أوكرانيا، وأصبح الوضع السوري والعراقي أكثر أهمية للالتفات حول المنافسين. ولمواجهة حراكهم المتصاعد، زار الرئيس أوباما الهند في مناسبة يوم الجمهورية في سابقة من نوعها لرئيس الولايات المتحدة، هو أول رئيس أميركي يزور الهند مرتين وهو في السلطة، خاصة أن الهند كانت دائماً معارضة لمقولة وجود فراغ سلطة في المحيط، وتدعم فكرة أن المحيط الهندي منطقة سلام والعلاقات الدبلوماسية الهندية مع الصين وأميركا أصبحت اليوم أكثر تكافئية وتنافسية. فالهند لديها ما يخشاه الآخرون وسعي الولايات المتحدة لتكون القوة البحرية المهيمنة في المحيط الأطلسي أو المحيط الهادئ، لم يعد أمراً مسلماً به في ظل مطالبة الصين وحلفائها بإيجاد استراتيجية بحرية دولية تعاونية وممارسة ضغوط متنوعة ومتشعبة على الغرب لإعادة النظر في واقع ميزان القوى العالمي. وبالرغم من أن أميركا ستسعى للحفاظ على وجودها القوي في المحيط الهندي واتخاذها تدابير كثيرة لتحقيق هذا الهدف والسيطرة على نقاط الاختناق البحرية الرئيسية، والذي قد يقود لتحالف مفاجئ بين الصين والهند لعدم ترك المنافس وحيداً يتحكم بالبحار. فمصلحتهما معاً تحتم عليهما رسم واقع بحري جديد بالرغم من مناوشاتهما التي تبدو منفرة كضغط رئيس الوزراء الهندي "مودي" على الصين من خلال تقربه من اليابان، وزيارة طوكيو والحصول على تعهد اليابان بتزويده بالمليارات من الدولارات في حزمة مساعدات، واستثمارات لتعزيز الأمن والعلاقات الاقتصادية. وأصدر الرئيس الهندي والفيتنامي بياناً مشتركاً يدعو لحرية الملاحة في بحر جنوب الصين وشرق الصين، وهو خطاب موجه ضد عدوانية بكين في المنطقة حسب رؤية أصحاب الخطاب المشترك، والصين ترفض زيارة "مودي" إلى التبت، والجنود الصينيين يدخلون بين الحين والآخر الأراضي الهندية في المنطقة الحدودية الواقعة في جبال الهيمالايا، وهي حرب باردة ليست فيها أي برود في ردود الفعل لضمان كل طرف أنه سيحصل على الاتفاق الأكثر انسجاماً مع مصالحه. وبالرغم من كل التوتر، تجد الرئيس الصيني "شي جين بينج"، يزور الهند ويشرب نخب عيد ميلاد رئيس الوزراء الهندي "نارندرا مودي" في حفل عشاء هادئ وحديث معمق والثناء بين الرئيسين ووعود باستثمارات من الصين تقدر بـ 20 مليار دولار. ففي السياسة الغاية هي المهم وليست الوسيلة. ولا صوت يعلو فوق مقولة "لكل شيء ثمن حتى الثمن نفسه".