في محاولة لفهم الفرص الأميركية الضائعة في الشرق الأوسط، وتحديداً في العراق الذي يشهد حالياً فصلًا آخر من فصول العنف الأهوج، يأتي كتاب صدر مؤخراً بعنوان «التفكك: آمال عريضة وفرص مهدورة في العراق» للخبيرة في شؤون الشرق الأوسط، إيما سكاي، التي اشتغلت طويلًا في المنطقة وعملت أيضاً كمستشارة سياسية للقائد العام للقوات الأميركية في العراق خلال 2010. وهو كتاب يسلط الضوء ليس فقط على التجربة الأميركية في العراق، التي هي موضوع الكتاب الرئيسي، بل أيضاً على مجمل التواجد الأميركي في الشرق الأوسط والقصور الواضح في التعاطي مع قضاياه. فالمحاولات التي يبذلها بعض المسؤولين الأميركيين في تفسير ما يجري في الشرق الأوسط حالياً من اضطرابات سواء في العراق، أو سوريا، أو اليمن، تعتمد فقط على كليشيهات متكررة وقوالب فكرية جاهزة، تبتعد عن الفهم العميق، إذ غالباً ما يتم التعامل مع حروب المنطقة على أنها ذات بعد طائفي محض، وأنها تعود إلى تاريخ غابر من الأحقاد بين المكونات المختلفة، والحال أن جزءاً كبيراً من مشاكل المنطقة الحالية، تقول الكاتبة، إنما يرجع إلى التعاطي الأميركي المغلوط مع الأوضاع، وتحديداً الأخطاء الكبرى والفرص السانحة التي أهدرها المسؤولون الأميركيون في الساحة العراقية، لينتهي الوضع إلى ما هو عليه الآن ويتحول العراق إلى ساحة تتقاذفها «داعش» من جهة، وإيران من جهة أخرى. ولكن الكاتبة تنأى بنفسها عن التنظير وتنغمس مباشرة في تجربتها الميدانية عندما كانت مستشارة سياسية للجنرال رايموند أوديرنو، القائد العام للقوات الأميركية في العراق، حينها تنقل عنه المؤلفة قولًا سيتبين لاحقاً مدى بُعد نظره، حيث أبدى تخوفاً محقاً في عام 2010 من أن يؤدي حرص أميركا على «ضمان استقرار العراق إلى تسليمه إلى إيران». وهذا التعليق يعكس بوضوح مخاوف القائد العسكري الأميركي من الأخطاء السياسية التي بدأت تتجلى في الممارسة الأميركية، وأيضاً كما تضيف الكاتبة نفسها، جهل المسؤولين الأميركيين بتعقيدات الوضع العراقي. فقد كان أوديرنو حريصاً على استمرار التواجد الأميركي في العراق لسنوات قادمة، فهو يعرف جيداً أن ما تم إنجازه من مكاسب سياسية وأخرى أمنية يتعين الحفاظ عليه وحمايته، على أن يتولى عملية المواكبة تلك المسؤولون المدنيون. ولكن ما حصل هو أن المسؤولين المدنيين ممثلين في السفير «كريس هيل» كشفوا عن عدم إلمام كبير وعدم اهتمام بالشأن العراقي. وكان التخبط في التعاطي الأميركي مع الوضع في العراق قد اتضح أكثر خلال الانتخابات العراقية لعام 2010، فبعد شهر كامل من الحملة الانتخابية للكتل السياسية العراقية ومشاركة واسعة في الانتخابات وصلت إلى 62 في المئة تمخضت العملية عن أزمة كبيرة ما أن أُعلن عن النتائج النهائية. وتتذكر المؤلفة جيداً تلك اللحظة حين اتصل بها رافع العيساوي، نائب رئيس الوزراء وقتها، ليزف لها خبر تقدم كتلة «العراقية» بزعامة السياسي الشيعي العلماني، إياد علاوي، الذي بنى حملته الانتخابية على أساس غير طائفي بعدد مقاعد بلغ 92 مقعداً متقدماً بذلك على غريمه نوري المالكي من تحالف «دولة القانون» بمقعدين. ولكن هذا التقدم الذي كان يُفترض فيه حسم المعركة أدخل العراق في أزمة سياسية عندما رفض المالكي التخلي عن السلطة وأصر على تشكيل الحكومة، مستنداً إلى تأويل ساهم هو في صياغته بضغطه على المحكمة الدستورية التي قالت إن القانون يعطي للكتلة التي فازت بأكبر عدد من الأصوات في الانتخابات حق تشكيل الحكومة، وهو حق يعطيه أيضاً للكتلة الأكبر في البرلمان، ما أفسح المجال أمام المالكي لتشكيل الحكومة، ليبقي فقط مدى انخراط أميركا مع المالكي. وهذا الأخير لجأ أيضاً إلى حيلة أخرى تمثلت، حسب الكاتبة، في استغلال قانون «اجتثاث البعث» لاتهام رموز سُنية والسعي لنزع مقاعدها البرلمانية. والمشكلة أنه حتى عندما اشتدت الأزمة السياسية وزار نائب الرئيس الأميركي، «جو بايدن»، بغداد لفض الاشتباك بين الكتل السياسية العراقية، كان واضحاً جهله الكبير بتفاصيل الصراع السياسي، ليستقر الرأي في النهاية بعد محاولات خجولة لإقناع المالكي بالتنحي، على مساندة الولايات المتحدة له وهو المدعوم أيضاً من قبل إيران، علماً بأن الرهان الذي عولت عليه أميركا في دعمها للمالكي بأنه سيوافق على تمديد حضور القوات الأميركية في العراق هو ذاته الذي أخل به بضغط من لطهران لتضيع بذلك الإنجازات المحققة وتبدأ مرحلة من التراجع الأميركي والنفوذ الإيراني والسياسات الطائفية التي أوصلت العراق إلى مأزقه الراهن. زهير الكساب الكتاب:التفكك: آمال عريضة وفرص مهدورة في العراق المؤلفة: إيما سكاي الناشر: بابليك أفيرز تاريخ النشر: 2015