إذا لم تكونوا قد سمعتم عن البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية حتى هذا الأسبوع فلكم الحق، ذلك أن هذا البنك لم يرَ النور بعد، لكن في جميع الأحوال يبدو أن البديل الذي أنشأته الصين للبنك وصندوق النقد الدوليين، ينطوي على أهمية قصوى، فقد تقدم بطلب الانضمام أكثر من 40 دولة، أغلبهم من أوثق حلفاء أميركا، بل قدموا طلبات الانضمام رغم المحاولات الأميركية الحثيثة لإقناعهم بغير ذلك، والحقيقة أن البنك الجديد فرض نفسه كانتصار بين للسياسة الخارجية الصينية، بل اكتسى وزناً أكبر بالنظر إلى أن الخصم المنتصَر عليه هناك هو الولايات المتحدة نفسها، ما يثير العديد من الأسئلة، لعل أهمها ما الذي يجري حتى يُؤسس بنك دولي جديد الغرض منه تحدي الهيمنة الأميركية؟ وكيف يمكن لبلدان تعتمد على القوة الأميركية لضمان أمنها، بما في ذلك الحماية من الصين، أن تتجاهل المصالح الأميركية، وتنخرط في وضع يتحدى أميركا كقوة عالمية؟ يبدأ الجواب بفهم المناورة الصينية الرامية لخلق مؤسسة مالية ذات بعد دولي هدفها الرئيس. كما هو محدد، تمويل مشاريع البنية التحتية في آسيا، بل إن السبب الأبرز الذي دفع الصين للتفكير في إنشاء مثل هذه المؤسسة المالية هو عدم حيازتها لنفوذ داخل المؤسسات المالية التقليدية التي يمثلها البنك وصندوق النقد الدوليون، بما يتناسب مع أهميتها الاقتصادية ووزنها المالي، ورغم التفاهم الذي توصل إليه أعضاء صندوق النقد الدولي في 2010 بشأن منح صلاحيات أكبر للصين والبرازيل، فإن الكونجرس الأميركي ما صادق قط على الاتفاقية التي ظلت مجرد حبر على ورق، فيما ظل الإصلاح المرتقب للبنك الدولي الذي يفترض به تعزيز الحضور الصيني ظل هو الآخر يراوح مكانه، وفي الوقت الذي كانت فيه الصين، تتلمس خطاها نحو الصعود، لم تجد غضاضة في الانضمام إلى المؤسسات الدولية الاقتصادية والالتزام بقواعدها بل كان ذلك في مصلحتها، لا سيما منظمة التجارة العالمية، لكن مع تكريس الصين لقوتها كان من الطبيعي أن تسعى إلى تغيير قواعد اللعبة. لذا تندرج محاولة إنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية في سياق المساعي الصينية الرامية لكسب المزيد من القوة والنفوذ في مجال المؤسسات الدولية، وذلك من خلال خلق مؤسسات بديلة تلعب فيها الصين دور المهيمن على غرار ما تقوم به الولايات المتحدة في صندوق النقد والبنك الدوليين، وكأن لسان حالها يقول لأميركا: إذا لم تسمحوا لنا بتبوؤ المكانة التي تليق بنا ضمن المؤسسات الدولية، فإننا سنقيم مؤسساتنا الخاصة، وبالنظر إلى أن هذا البنك وبالطريقة التي سيعمل بها يمثل تهديداً مباشراً للهيمنة الأميركية على المؤسسات الدولية، فإنه ليس غريباً أن تسعى الولايات المتحدة لإقناع حلفائها بعدم الانضمام إليه، وإن كانت هذه الجهود تبدو حتى اللحظة عديمة الجدوى. والأمر هنا لا يقتصر فقط على حلفاء أميركا التقليديين في أوروبا، مثل بريطانيا وألمانيا اللتين تقدمتا بطلب الانضمام للبنك الصيني، بل حتى البلدان الآسيوية، التي تعتمد في حماية نفسها على أميركا مثل أستراليا وكوريا الجنوبية، وربما حتى تايوان التي تعتبرها الصين جزءاً من ترابها الوطني، ولم تبقَ سوى اليابان المنشغلة بالتهديد الأمني الذي تطرحه الصين، وإن كانت هي الأخرى، وعلى لسان مسؤوليها أكدت احتمال انضمامها في المستقبل. وهنا تبدو المفارقة واضحة قياساً بالماضي القريب، فخلال الحرب الباردة مع المعسكر الشرقي لم تكن الدول، التي تعتمد على أميركا في حمايتها تجرؤ على تحديها في القضايا الاقتصادية، فحلفاء أميركا الأوروبيين لم تكن تربطهم بالاتحاد السوفييتي علاقات اقتصادية، وبالمثل لم تكن دول الكتلة الشرقية في أوروبا تجمعها أي صلات اقتصادية بالولايات المتحدة، لكن المرحلة الراهنة من الحرب التي أسميها «دافئة» تعمل وفق منطق مغاير، إذ لا مانع من أن تكون بين الدول التي تتصارع على الرقعة الجيوسياسية علاقات تعاون اقتصادي، بحيث تبرز أميركا والصين نفسيهما كأبرز مثال على ذلك، فرغم الصراع الجيوسياسي بين القوتين تظل الولايات المتحدة الشريك الاقتصادي الأهم بالنسبة للصين، وصادراتها، فيما تمتلك الصين النسبة الأكبر من سندات الخزينة الأميركية. نوح فيلدمان أستاذ القانون الدستوري والدولي بجامعة هارفارد ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»