توالت أنباء تحرير عدد من المناطق في سوريا، فقد تم تحرير بصرى في الجنوب وتحرير إدلب في الشمال، وتم تحرير موقع نصيب الحدودي مع الأردن، ولكن في ذات الوقت تصاعد التدمير، لأن المقاتلين الذين يسيطرون على الأرض لا يملكون الدفاع عن أنفسهم أمام سيل الصواريخ وبراميل الموت التي تقصفهم وتبيد القرى والمدن. وقد حدثت كارثة كبرى في إدلب بعد تحريرها حيث بدأ تدميرها في اليوم التالي ونزح منها أغلب سكانها المدنيين الذي يقارب عددهم نصف مليون إنسان، ولا مأوى لهم بعد أن دمرت منازلهم وقتل كثير من أهلهم، وكانت تركيا قد أغلقت منافذ العبور قبل فترة، مما جعل النازحين الهاربين من الموت يبحثون عن مأمن في البراري والأرياف المجاورة لمدينتهم وأكثرها يتعرض للقصف اليومي، وسيواجه هؤلاء وضعاً إنسانياً خطيراً خلال أيام قادمة. ويخشى كثير من سكان الشمال السوري أن يتكرر في إدلب ما حدث في الرقة، لكن وجود فصائل متنوعة إلى جانب النصرة يشكل نوعاً من التفاؤل بعدم حدوث ذلك، حيث وعد بعض قادة الفصائل بأنهم لن يعلنوها «إمارة إسلامية»، وأنهم سيدعون المجتمع للمساهمة معه في تشكيل قيادة إدارية مدنية. وتبدو المهمة صعبة مع تصاعد عمليات القصف والتدمير التي قد تجعل مدينة إدلب أرضاً خراباً مثل بقية المدن التي تم تدميرها. وتصر بعض القوى العالمية على منع تسليح قوى المعارضة العسكرية بمضادات طيران ودفاع جوي، مما يجعل الدمار مستمراً مع استخدام الكلور والأسلحة الكيماوية كما حدث مؤخراً في مدينة سرمين الملاصقة لإدلب. ويرى السوريون أن هذا الصمت الدولي ليس انتصاراً للنظام الذي يفقد مناطق نفوذه ولا يتمكن من استعادتها بالطيران، ولكنه يحقق أمراً واحداً فقط هو تدمير البنى التحتية في سوريا وزيادة حجم الفاجعة على السوريين. ويواكب ذلك تهميش القوى المعتدلة وقطع المعونات عنها، في الوقت الذي تقوى فيه فصائل أخرى تسيطر على الساحة، وما حدث في مخيم اليرموك داخل العاصمة دمشق من تقدم لـ«داعش» على رغم الحرب المستمرة ضدها من قوات التحالف أمر يثير الكثير من الأسئلة الحارة حول مصادر الدعم الذي يحظى به هذا التنظيم الذي بات في العاصمة، وهو مرفوض عربياً وإسلامياً ودولياً. وعلى الصعيد السياسي تتخبط المعارضة أمام مؤتمرين أولهما مؤتمر موسكو الثاني، وهو مؤتمر يشارك فيه النظام، ويخشى بعض المعارضين أن يكون بديلاً عن مؤتمر جنيف، وأن يتم فيه تنازل عن الوثيقة الوحيدة التي يملكها المعارضون أو تفسير لها ضد مصالح الشعب. والمؤتمر الثاني هو مؤتمر القاهرة الذي يتم الإعداد له بمواجهة صعوبات عديدة أهمها موقف الائتلاف الذي أعتقد أنه يخشى من أن يكون هدف هذا المؤتمر إحداث جسم سياسي بديل. وعلى رغم قناعتي بأهمية عقد مؤتمر وطني للسوريين عامة وحرصي على أن يحقق تمثيلاً واسعاً لا يقصي أحداً، إلا أنني أجد الحاجة ماسة لرؤية جديدة تواكب الأحداث الكبرى الراهنة، فقد حدث تحول استراتيجي ضخم في المنطقة بعد انطلاق عاصفة الحزم، وظهرت معادلات جديدة، حيث حققت هذه العاصفة حزماً أعاد إلى العرب تفاؤلهم بنهضة عربية من حالة الذهول أمام صعود المشروع الإيراني الذي طوق الأمة، وبات يباهي بنفوذه في بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء، ويهدد المنطقة كلها. فجاء الحزم في الوقت المناسب ليؤكد قدرة الأمة على حماية أمنها، وليوضح عبر التحالف أن التطلعات الإيرانية للتوسع على حساب العرب وصمت بعض القوى الدولية الكبرى عليها في رهان مفاوضات تجعل القضايا العربية مجرد أوراق ضغط، هي تطلعات عدوانية لا تحقق ما يريده العرب من جيرانهم من تعاون إقليمي يضمن حدود الشراكة الحضارية والثقافية والاقتصادية في المنطقة. وقد حقق موقف الحزم غايته حين أفاقت دول كبرى على حقيقة كون العرب قادرين على المبادرة والفعل، وأن أي إخلال بأمنهم سيعرض المنطقة كلها لخطر شامل. وقد أزالت عاصفة الحزم مشاعر الإحباط التي اعترت كثيراً من السوريين الذين رأوا بلدهم يقع بيد الاحتلال الإيراني وقد بات المسؤولون الإيرانيون يتحدثون باسم سوريا ويؤكدون أن مفتاح القضية عندهم. ويتفاءل السوريون بأن تنتهي الخلافات بين الدول الداعمة لقضيتهم، وربما تسهم عاصفة الحزم بتوحيد رؤيتهم، فأي خلاف يقع بين حلف أصدقاء سوريا ينعكس على مسار القضية السورية التي تدخل عامها الخامس في لهيب يزداد اشتعالاً، وجحيم يعاني منه ملايين السوريين وقد غصت الأرض بموتاهم وتشردوا في أصقاع الأرض، وهم ينتظرون يوم الحسم.