جاء التفجير الذي تم بالقرب من السفارة التركية في بغداد ليجسد المعارضة العراقية الشديدة لنشر قوات تركية في العراق· ومع أن البنتاجون واقع تحت ضغط الحاجة إلى تنويع قوات حفظ السلام، إلا أنه يجب أن يعمل في الوقت نفسه على الموازنة بين الحاجة إلى تدوير تلك القوات، وبين حتمية تعزيز الحكومة العراقية· وتجاهل مجلس الحكم العراقي الذي يرفض بالإجماع وجود القوات التركية، سوف يؤدي إلى تقويض وضعية هذا المجلس الذي تعتمد الولايات المتحدة عليه لإنجاز مهمة استرداد السيادة للعراق· فـ تركيا ونظرا لأنها الدولة الوريثة للإمبراطورية العثمانية التي حكمت العراق حتى عام ،1917 فإنه عادة ما يتم النظر إليها بعين الشك من قبل العراقيين والأكراد على حد سواء· ففي عام 1517 شعر العرب في جميع أنحاء الشرق الأوسط بالغضب بسبب انتقال مقر الخلافة الإسلامية من القاهرة إلى القسطنطينية، وقيام السلطان سليم الأول بتنصيب نفسه خليفة وحيدا للمسلمين السنة· أما الشيعة العراقيون فقد كانوا يشعرون بالاستياء الشديد بسبب تهميشهم سياسيا واقتصاديا خلال فترة الحكم العثماني· بالإضافة إلى ذلك، يشعر الأكراد شعورا عميقا بعدم الثقة في الأتراك، وهو ما يبدو واضحا بجلاء في قيام مسعود البرزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق باتهام أنقرة بمحاولة تقويض المكتسبات الديمقراطية في كردستان العراقية، وهي المنطقة التي استفاد فيها الأكراد أقصى استفادة ممكنة من المظلة الأميركية والبريطانية في القيام بتعزيز الرخاء وترسيخ الحكم الذاتي منذ أن وضعت حرب الخليج أوزارها عام ·1991
من جانبها تشعر تركيا بقلق جراء بروز دولة كردية مستقلة في شمال العراق· وهي تشعر بالقلق أيضا من احتمال أن يتخذ أكراد تركيا من إخوانهم أكراد العراق، مصدرا للإلهام يدفعهم للمطالبة بالمزيد من الحقوق · ويذكر في هذا الصدد أن تركيا قد انخرطت في صراع عنيف مع الأكراد الأتراك التابعين لـ حزب العمال الكردستاني الذي تنظر إليه الولايات المتحدة باعتباره مجموعة إرهابية· وفي إطار هذا الصراع كان الجيش التركي يقوم بشكل روتيني بشن عمليات عسكرية ضد مخابئ قوات الحزب الواقعة في عمق كردستان العراقية· كذلك، نجد أن التوتر قد تفاقم بين الأكراد وبين الأتراك منذ أن وقعت الحرب الحالية على العراق، وذلك بعد اتهام تركيا بالتورط في سلسلة من الأحداث التي أدت إلى وقوع صراع بين التركمان العراقيين وبين الأكراد· ففي أبريل الماضي على سبيل المثال، تم إيقاف قافلة تابعة للهلال الأحمر التركي عند إحدى نقاط التفتيش، وبعد تفتيشها، تم العثور على ذخائر ومفرقعات مخبأة في حقائب مخصصة أصلا لنقل مواد الإغاثة الإنسانية· وبناء على ذلك قامت السلطات الأميركية العسكرية في العراق، بتوجيه اتهام للقوات الخاصة التركية، بأن رجالها يتخفون في زي موظفي إغاثة، ويقومون بتهريب الذخائر إلى المليشيات التركمانية في العراق· وفي حادثة أخرى أكثر خطورة حتى مما سبقها، وقعت بتاريخ 4 يوليو الماضي، قامت القوات الأميركية باعتقال أحد عشر رجلا من رجال القوات الخاصة التركية، للاشتباه في تآمرهم على اغتيال عمدة مدينة كركوك الكردي·
وحتى قبل اليوم الذي صوت فيه مجلس الأمن الدولي لصالح التفويض بوجود قوة متعددة الجنسيات تقودها الولايات المتحدة في العراق، قام البرلمان التركي بالموافقة على إرسال عشرة آلاف جندي إلى العراق· وهناك مناقشات دائرة حاليا على قدم وساق بين الولايات المتحدة وتركيا، حول الطريقة التي سيتم بها نشر تلك القوات·
ويمثل التلهف التركي على إرسال قوات إلى العراق تحولاً عكسيا فجائيا في الموقف الذي تبنته في هذا الصدد قبل الحرب· فليس سرا أن الأتراك كانوا معارضين للحرب، وليس سرا أيضا أن السلطات التركية قد عملت بقدر استطاعتها على إعاقة خطط واشنطن لشن تلك الحرب· ففي ذلك الوقت، وهو ما مثل في حينه انتكاسة كبيرة لخطط البنتاجون، صوت البرلمان التركي في الأول من شهر مارس على منع مرور القوات الأميركية من تركيا إلى شمال العراق· وكنتيجة للقرار التركي، لم تتمكن فرقة المشاة الرابعة التابعة للجيش الأميركي من التوجه إلى العراق في الوقت الذي كانت فيه عجلة العمليات الكبرى قد بدأت في الدوران، كما أنها لم تتمكن من الوصول إليه في الوقت المناسب الذي يمكنها من الحيلولة دون وقوع عمليات السلب التي اندلعت على نطاق واسع هناك عقب سقوط بغداد · وحتى بعد أن بدأت العمليات العسكرية فإن أنقرة عملت على تعطيل خطط البنتاجون الخاصة بتنفيذ طلعات جوية للطائرات الأميركية الرابضة في قاعدة أنجيرليك · وكنتيجة لذلك كانت تركيا هي آخر عضو في الناتو يوافق على مرور الطائرات الأميركية في أجواء بلاده (21 مارس)· ويريد رؤساء هيئة الأركان المشتركة، استبدال القوات الأميركية بقوات حفظ سلام دولية· ولكن، ونظرا لإدراكهم بأن هناك مشكلة بين الأتراك والأكراد، فإن البنتاجون يعتقد أنه يمكنه تلافي المواجهة عن طريق تكليف القوات التركية بالعمل في المثلث السني الواق