لعل العنوان فيه شيء من الغرابة فنحن في الوطن العربي نعرف مدرسة المشاغبين، وتفتخر المدارس بأنه لا ينجح فيها إلا الإنسان الذي يعمل بصورة خارقة، ومن هنا تتزايد لدينا نسب الراسبين كلما جئنا بمنهاج جديد أو فكرة تربوية مستوردة، لكن هل يعقل أن تكون هناك مدارس بلا رسوب، بلغة بسيطة هل بالإمكان أن ينجح الطالب ولو رسب حتى الثانوية العامة ويعطى شهادة؟ عندنا في الدولة نظام يسمح بالنجاح في المراحل الدنيا لكن نتائج هذا السماح تظهر جلية في المراحل المتقدمة حيث تتضاعف نسب الراسبين فعندنا وحسب دراسات وزارة التربية والتعليم نجح دون المرور بتجربة الرسوب قبل الثانوية العامة 28% فقط من الطلبة الذين شملتهم الدراسة، وحسب إحصاءات الوزارة لسنة 2001 كانت نسبة الرسوب في المدارس6,8%·
مرة أخرى هل بالإمكان اكتشاف نظام يسمح بالنجاح مهما كان أداء المتعلم؟ من فينا نحن العرب يجرؤ على طرح مثل هذا التصور؟ وهل هو فعلا مطبق؟ دعوني أنقل لكم تجربة عشتها في المملكة المتحدة خلال الأسبوع الماضي ففي زيارة لي لمدرسة لنجتن Langdon و التي تقع قريبة من لندن لفت انتباهي لون ربطة العنق الخاصة بكل دفعة في المدرسة فبمجرد رؤية المعلم لربطة عنق المتعلم يعرف في أي مرحلة تعليمية هو، فكان سؤال الزائر العربي البسيط في تفكيره بحكم تربيته العربية التي تجعل المتعلم يخشى الرسوب في مادة لأنها تعني في الغالب الرسوب وإعادة السنة والتخلف عن ركب الأقران كان السؤال ببساطة ماذا يحصل للطالب اذا رسب؟ هل يبدل ربطة عنقه ليمشي مع شكل الصف الجديد أم أنه يحافظ على ربطته كتذكار؟ كان الجواب الصاعق هو ولماذا يرسب المتعلم؟ ! فعلق العربي مرة أخرى أعني أنه رسب في امتحان آخر العام ماذا يفعل؟! كان الجواب ينتقل مع أصحابه، وهل يأخذ معه المادة؟ لا وإنما يتكيف مع المنهج الجديد· وماذا لو رسب في السنة القادمة؟ يكرر ما فعله في الماضي يعني ينتقل مع زملائه إلى الصف الجديد ويدرس معهم المنهج الجديد· وهنا ظن العربي أنه حصر محدثته الإنجليزية في زاوية حرجة، دعينا نتصور أنه استمر في كل المراحل بنفس الطريقة أعني أنه يرسب ثم ينتقل إلى الصف القادم فيرسب وهكذا ماذا تفعلون به عند الثانوية العامة؟ هل يتخرج بتقدير راسب؟ كان الجواب كلا بل يعطى شهادة إكمال الدراسة· وماذا يفعل بها وهو من الراسبين هل يلتحق بجامعة كامبردج العريقة أو أكسفورد المتميزة؟ كلا، ولماذا نتصور أن كل من وصل إلى الثانوية يذهب للجامعة؟ إنه سيلتحق بنوع من التعليم العالي الذي لا يتطلب قدرات أكاديمية متميزة مثل التخصصات المهنية !! هنا توقف العربي عن الأسئلة وذهب في جولته الميدانية ليرى العجب العجاب، فمر بفصل للغة الإنجليزية في الصف العاشر، وكانت المعلمة تشرح، ومعها معلمتان أخريان تم تعينهما كمساعدات لها لأن في الصف بعض الطلبة من ذوي الاحتياجات الخاصة والذين لم تمكنهم قواهم واستعداداتهم العقلية من متابعة أداء بقية الزملاء، لم يتم إخراجهم من الصف بل وجد لهم فيه من يساعدهم على اكمال المشوار فبينما تشرح المعلمة لبقية الصف تقوم المساعدة بالشرح لهؤلاء الطلبة لأن من حقهم التعلم مع زملائهم· وفي صف آخر في المرحلة الثانوية وجد بعض الطلبة يدرسون مبادئ الكتابة بينما بقية الصف يدرس منهاجا آخر فالمناهج عندهم ليست قرآنا منزلا يدرسه الناس في نفس الوقت وبنفس السرعة بل يتناوله الطلبة كل حسب استعداده كأنهم يطبقون قول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، في الحديث الصحيح المتفق عليه اعملوا فكل ميسر لما خلق له ·
ذهل العربي من هذا الأداء الرائع لمدرسة يبلغ عدد الطلبة فيها ،1900 بها ما تحتاجه من إدارة وهيئة تعليم مصممة على قاعدة لا يرسب عندنا أحد، وهذا الأمر هو الشائع المطبق، فمتى نتعلم هذا الدرس من بريطانيا تلك الدولة التي قادت العالم ردحا من الزمن، وأحد أسرار نجاحها في تصوري الشخصي ذلك النظام التعليمي الذي يراعي قدرات الناس فينميها ومن ثم يستثمرها؟