دشنت زيارة «ميثريبالا سيريسينا» الرئيس السريلانكي المنتخب حديثاً للهند هذا الأسبوع فصلاً جديداً في علاقات البلدين بعد تقلصها في السنوات القليلة الماضية بسبب تقارب كولومبو مع بكين. ويعكس قرار «سريسينا» باختيار الهند لتكون أولى زياراته الخارجية رغبته في إصلاح العلاقات مع أكثر الجيران نفوذاً في جنوب آسيا. ووقع الجانبان اتفاقا على نقل وتبادل الخبرة النووية المدنية وتقاسم الموارد وتدريب الأفراد على إجراءات السلامة النووية وعلى تعزيز التعاون في الدفاع ومجالات الأمن البحري. وهذا أول اتفاق نووي مدني توقعه سريلانكا مع بلد آخر بعد محادثات تجري منذ 2012. والعلاقة النووية المدنية مهمة لأنها أضافت عنصراً جديداً للعلاقات الثنائية. وتريد سريلانكا منذ سنوات تنويع سلتها من الطاقة لتتضمن الطاقة النووية. وظلت كولومبو تستكشف لفترة من الوقت إمكانية التوصل إلى اتفاق مع دول أخرى لكن قرار المضي قدماً مع الهند يُظهر رغبة الحكومة الجديدة في سريلانكا في التخلص من تركة الحكومة السابقة. ومن العناصر البارزة الأخرى للرحلة، إصدار الجانبين قراراً بتعزيز التعاون الدفاعي والأمني. وتجري الهند حواراً أمنياً ثلاثي الأطراف يضم جزر المالديف وسريلانكا. ومن الواضح أن هذا يستهدف تعزيز الأمن البحري في منطقة المحيط الهندي. والزيارة أعادت تنشيط العلاقات دون شك بين الهند وسريلانكا، لأنها فتحت مجالات جديدة للتعاون وتعزيز الثقة المتبادلة. والعلاقات الثقافية والاجتماعية وثيقة بين «تاميل الهند» وأقلية «التاميل» العرقية في سريلانكا. لكن هذه العلاقات تضررت أثناء فترة ولاية الرئيس السابق «ماهيندا راجاباكسا»، وكانت نيودلهي تشعر في ذاك الوقت أن «كولومبو» لم تبذل جهداً كافياً في مساعدة «التاميل» النازحين وفي نقل السلطات إلى مناطق «التاميل» بعد نهاية الحرب الأهلية عام 2009 عندما أنزل الجيش الهزيمة بنمور التاميل. وظهر رد فعل سياسي سلبي بقوة في ولاية «تاميل نادو» الهندية التي يقطنها 60 ميلوناً من التاميل بسبب استخدام القوة الوحشية في الأيام الأخيرة من الحرب الأهلية السريلانكية. وخضعت العلاقة مع سريلانكا دوماً لمراقبة عن كثب بسبب وجود أحزاب تاميلية في التحالف الاتحادي الحاكم. وفي غمرة كل هذا تقدمت الصين لتشغل الفراع الذي تركته الهند وقدمت الأسلحة وقامت ببناء المواني ومشروعات البنية التحتية الأخرى. وأمدت الصين الحكومة السريلانكية بالأسلحة حتى أثناء سنوات الحرب الأهلية. وقدمت الصين قروضاً بملايين الدولارات لكولومبو لتتوغل في اقتصاد سريلانكا. وظلت الهند خلال كل هذا غير راضية عن النفوذ الصيني المتزايد في سريلانكا التي تعتبرها فناءها الخلفي. وفي أكتوبر الماضي سمحت الهند بتنظيم احتجاج مع سريلانكا على رسو غواصة نووية صينية في كولومبو. ورغم هذا حذت غواصة صينية أخرى حذوها في نوفمبر الماضي. وتتبع حكومة سريلانكا الجديدة نهجاً جديداً. فالرئيس «سريسينا» جزء من ائتلاف جديد جاء إلى السلطة بعد انتخابات يناير الماضي التي مُني فيها «ماهيندا راجاباكسا»، الذي حكم البلاد لفترة طويلة بالهزيمة. وأثناء حملته الانتخابية انتقد «سريسينا» إعطاء «راجاباكسا» عدداً من المشروعات للصين محتجاً بأن هذه المشروعات ليست مجدية، وأشار إلى أنه سيعيد التوازن في علاقة سريلانكا بالصين. لكن بعد الوصول إلى السلطة اتبع نهجاً واقعياً، وأقر مشروعاً لبناء ميناء بتمويل صيني يبلغ 1.5 مليار دولار تم التخطيط له في عهد الرئيس السابق. ومن الواضح أن سريلانكا لا تستطيع أن تقطع تماما علاقاتها بالصين التي لها نصيب كبير في الاقتصاد السريلانكي. والآن، يعتزم سريسينا زيارة الصين أيضا هذا العام. ومن الواضح أن الهند لا تستطيع أيضا أن تتنازل عن أي مساحة أخرى للصين. ولهذا تحاول الهند أن تركز أكثر على علاقاتها مع كولومبو وتحسم أي خلافات. وبالنسبة لنيودلهي سيكون هذا اختبارا لنهج القيادة الجديدة في معالجة قضية المصالحة العرقية وتقاسم السلطة مع التاميل. وظلت هذه قضية شائكة بين الحكومتين السابقتين في سريلانكا والهند وقد تظل موضع توتر في المستقبل أيضاً. وهناك علاقة وجدانية بين «تاميل» الهند والأقلية التاميلية السريلانكية. وكانت الحكومة الهندية السابقة بقيادة مانموهان سنج متحالفة مع الأحزاب التاميلية في ولاية تاميل نادو بحنوب البلاد، ومن ثم لم تكن تستطيع المضي قدما في إصلاح علاقات نيودلهي بكولومبو مخافة سقوط الحكومة. لكن الآن، يتمتع رئيس الوزراء الهندي الحالي ناريندرا مودي بأغلبية واضحة في البرلمان وبوسعه تعزيز هذه العلاقات. مدير مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي