عند الحديث عما يمكن تسميته بمخزون الخوف في الثقافة ربما تلزم الإشارة أولاً إلى أن رفع جرعة الخوف في المخيال العام للمجتمع يقوده إلى الشلل على مقداره ونسبته، ولكن هناك قدراً أفظع بالانحدار إلى عتبة دنيا قد تطوق الإنسان بحزمة من المشاعر السلبية ذات الأسباب المتوهّمة؛ كأن يشعر أن كل الناس يتآمرون عليه، وكل اثنين يتكلمان فهما يتهامسان حوله لأذيته. وهذا العرَض هو المعروف في علم النفس بالزوَّر «البارانويا»، فيدخل المريض حالة من تكزز الروح وسيطرة مخطط ذي ذرى جنونية حادّة عالية متقاربة، جعل الناس يتعارفون على تسميتها بأنها الجنون. مقابل حلقات ثلاث تسبح فيها النفس بين العادي والعصابي (Neurosis) والذهاني «حالة الجنون» Psychosis، يتقدم لنا القرآن الكريم برؤية تكاملية تصعد للأعلى بين النفس الأمّارة بالسوء وتلك التي تمارس النقد الذاتي «اللوامة» وتلك التي نضجت «المطمئنة». وما ينطبق على الفيزياء والسيكولوجيا يصدق أيضاً في ميدان علم الاجتماع، فالثقافة المريضة قد تعلّمنا أن الزوايا المظلمة تعجّ بالغيلان والجان، والثقافة المذعورة تحقن عروقنا بالجرعة السمّية من الخوف، وهكذا فالثقافة قد تحقن الوعي بالخرافة، أو العلم، بالأوهام، أو الحقائق، حيناً بحين، وبحسب ما تكون عليه النفس أو المجتمع، أو الحال بصفة عامة. لقد أراد القرآن الكريم بناء ثقافة يحيّد فيها الخوف والحزن لنعيش في مجتمع متوازن مطمئن نطعم فيه من جوع ونأمن من خوف، ولكن تاريخنا الثقافي للأسف ممتلئ أيضاً بأوهام أو توهّم الرعب، فالحكم قد يبني أجهزة ضغط وضبط بحجم خرافي، والمحكوم قد يلجأ إلى حماية نفسه بالتآمر والنكتة والدعاء للخلاص من الحكم، والظلم، وإذا سنحت له الفرصة لجأ إلى سبل تملص وتخلص أخرى، أو حل يلغي كل الحلول. نحن نعيش نكتة الدجاجة والثعلب. قيل: أصيب رجل بخوف شديد فخيل إليه أنه دجاجة تتربّص بها الثعالب ريب المنون، فانحصر في منزله لا يفارقه؛ فأخذه أهله إلى طبيب نفساني بارع استطاع أن يصل إلى إقناعه بأنه بشر سوي، وليس دجاجة مطلوبة من الثعالب المحومة حول البيت. وقد خرج الرجل من العيادة أخيراً وهو يبدو معافىً في الظاهر، على الأقل، ولكنه بمجرد أن وضع قدمه في الشارع انقلب مذعوراً ترتجّ مفاصله، وتدور عيناه كالذي يغشى عليه من الموت، حتى ارتمى في أحضان أهله. صرخ به الطبيب قائلاً: ولكنك اقتنعت أنك لست دجاجة أليس كذلك؟ أجاب باستسلام: نعم يا سيدي، ولكن هل اقتنعت الثعالب في الخارج بأنني لست دجاجة؟ أي إن شفاءه كان توهماً تماماً كخوفه المبني على الوهم، غير القابل للفهم.