يبدو أن طريقة تعامل الإعلام العالمي مع أخبار تنظيم «داعش» في العراق وسوريا تحتاج إلى مراجعة وتصحيح. فلا نرى من أخبار المنطقة، في ظل الانشغال بممارسات «داعش»، سوى انتهاك الإنسانية والتفنن في طرق قتل الضحية. والملاحظ أن الإعلام ككل لم يعد ينظر إلى عدد القتلى باعتباره أسوأ ما في الموضوع، بل بشاعة تلك المناظر ووحشية من يقوم بالذبح، والتي تدل على فقدان أي درجة من الإنسانية. دعك من المقاطع المروعة التي أغلبها تصيب المتابع بالذهول، لأنه أحياناً لا يمكن للخيال الإنساني أن يصل إلى درجة التفكير في طرقهم، لكن المقلق جداً في الموضوع طريقة تخلص هذا التنظيم الإرهابي من ضحاياه، والتي بدأت تصبح مادة جاذبة ومغرية لوسائل الإعلام العالمية،حيث إنها تحقق من خلال تلك المقاطع متابعات واسعة. ورغم أن تلك المشاهد سودت الكثير من القيم الحضارية الإنسانية، بعد أن صعقت الضمير الإنساني وآذت مشاعر أهالي الضحايا، إلا أن بعض الحركات المتطرفة الأخرى بدأت تقلد طريقة «داعش» في التخلص من ضحاياها، وقد تم بث مقطع لـ«جبهة النصرة» تقوم فيه بذبح جندي سوري. وإذا كان أخطر ما في هذه الحرب أن «داعش»، أو أي حركة متطرفة أخرى، عندما تريد أن تدفع بنفسها في وسائل الإعلام العالمية، فإنها تتفنن في طريقة القتل، ما يجعل المادة مغرية.. فإن المشكلة الكبرى أن سلوكيات «داعش» لم تعد تحدث صدمة نفسية لدى الرأي العام كما كانت في بادئ الأمر، مما بدا معه وكأن الرأي العام بدأ يتعود على تلك المناظر والسلوكيات، وربما يأتي وقت تكون فيه عادية وغير مثيرة لكثير من النفور. اللافت في أخبار هذا التنظيم، أنها لا تتضمن أي إنجازات عسكرية أو استراتيجية غير قتل الضحايا، ولو حاولنا تفسير حقيقتها، فإن «داعش» ليست بتلك القوة التي تصعب على جيش نظامي التغلب عليه، فلم نسمع إلى الآن عن أي تكتيكات استراتيجية في معاركها، لكنها تستخدم تقنية «التهويل» بنجاح في تصوير إنجازاتها بطريقة تجذب الإعلام، آخر تلك «الإنجازات» تلك المسيرة التي نظمتها لرتل من الشرطة التابعة لها. ومن حيث المتابعة، فإن كثيراً من التحليلات تعتقد أن عملية تنفيذ جرائم «داعش» من قبل أشخاص ملثمين يعني أنهم يتهربون من الكشف عن هويتهم، وهذا دليل خوف «وجبن» منهم، أما نجاحها، إن جاز اعتباره نجاحاً، فهو حتى الآن يعتمد على التباهي بجرائمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. للأسف الشديد، فإن هذا التنظيم حقق إنجازات - بمعاييره المنحرفة- وكسب مؤيدين من الغرب والشرق (كلهم من المتطرفين بطبيعة الحال)، مستفيداً من استخدام وسائل الإعلام بنوعيه، الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي (خصوصاً اليوتيوب والتويتر)، حسب ما تشير إليه التقارير الاستخباراتية. نحن في «عصر الإعلام التقني» وفي زمن يستطيع فيه كل شخص استخدام الإعلام الذي يصنع «القيمة» من دون أساس حقيقي، وإنما اعتماداً على جذب المشاهد، ما يجعل من يجيد الاستفادة من الإعلام هو صاحب اليد الطولى في صنع الإدراك العام لدى الجمهور، وبالتالي يستطيع إضفاء القيمة وإعطاء الأولويات في نشرات الأخبار، وهذا تقريباً ما حدث خلال الأسبوع الماضي عندما تم قتل 20 مصرياً بطريقة بشعة جعلت كل الوسائل الإعلامية تنشغل بالخبر خدمة للتنظيم الذي يصنع لنفسه هالة. ليس أمام الإعلاميين الآن إلا التجاهل لما تبثه هذه التنظيمات لسببين اثنين، السبب الأول: خدمةً لأخلاقيات المهنة ولو كان ذلك على حساب المهنية، لأن نشر تلك المقاطع يقدم خدمة لهذه التنظيمات بل يشجع التنظيمات الأخرى عندما تريد أن تظهر على الإعلام وتروج لأفكارها. السبب الثاني: احتراماً لمشاعر الضحية وأهله، مع أن البعض يعتقد أن الشفافية هي حق المشاهد، ولكن لأن الجميع مستهدف، فالأفضل أن يكون الضمير الإنساني هو الرقيب. الحرب مع «داعش»، ومع كل الميليشيات العابرة للحدود، ليست من الحروب التقليدية بل هي أكثر تطوراً في الأساليب الدعائية وأكثر شراسة في التعامل مع الضحايا، ليس فقط من أجل بث الرعب في الرأي العام، ولكن أيضاً من أجل كسب عقول أكبر عدد من الناس، بل والمتعاطفين معهم من خلال استخدام الإعلام بأنواعه، وبالتالي ينبغي محاربة هؤلاء بعدم النشر. تشير التقارير الإعلامية إلى أن حالة استقطاب «داعش» زادت بعد نشر وسائل الإعلام لمقاطع الذبح للضحايا، خاصة الصحفيين الأميركيين، حيث كانت البداية!