ربما يتعين علينا أن نضبط الحاضنة المجتمعية التاريخية للعنوان المتصدّر لهذه المقالة. ذلك لأن الاكتفاء ببنية تلك الحاضنة وحدها قد يقودنا إلى الوقوع في حقل المذهب البنيوي، الذي يطالب الباحث بالبقاء في هذا الحقل في حال البحث عن أصول المادة أو الموضوع الذي نعالجه، وهو بنية هذا الأخير في تكوّنه في السابق وتبنيه راهناً ووظائفه المنوطة به الآن وغداً. إن موضوع الإرهاب، والحال كذلك، إنما هو موضوع مركّب يستتبع منا النظر إليه في ضوء الوقاية منه قبل أن يحدث، كما في ضوء ردعه حال حدوثه، والحق أن النظر إليه في ضوء حدوثه الواقعي يمثل حالة مغلوطة معرفياً وخطرة بشرياً، ومن طرف آخر، قد يجسد إهمال العمل الوقائي المضاد للإرهاب بما فيه من تطرف، حالة من الخطأ «المتكامل» أي الذي لا يتوقف إلا عند وصوله إلى غاياته. وهذا من شأنه التأسيس لمراكز بحوث بعلماء وخبراء قادرين على استبصار الحدث قبل حدوثه، أو في إرهاصاته الأولى المبكرة. لكن من طرف آخر، حين يتحول الإرهاب إلى استراتيجية ترافق المجتمع عصراً أو أقل أو أكثر، كما هو الحال في قلب المجتمعات الاسترقاقية والزراعية الإقطاعية والرأسمالية في حلبتها الاستعمارية ثم العولمية السوقية بإطلاقها، نقول حين يكون الأمر على هذا النحو، فإنه يستتبع القيام بجهود كونية عظمى لمواجهة الموقف، وقد لا يتوفر ذلك، وهو حقاً هكذا، أما لماذا هذا الحكم؟ والجواب ينحدر من مرجعيات تلك المراحل: إن الإرهاب والاستغلال بكل تشكلاته وامتهان الحرية والكرامة والمساواة وغيره، إنما هو متحدر من خصوصيات تلك المراحل التاريخية، ناهيك عن الحروب الداخلية والإقليمية والعالمية. لسنا نتحدث هنا عن أساطير وهمية غير قابلة للضبط وتدخل في عالم متخيل، وإنما الحديث يتصل بمجتمعات بشرية وُجدت وهي موجودة الآن. وفي هذا الإقرار الأخير تكمن الإشكالية وكذلك المأساة: إن ذلك موجود بكل عمق الوجود المجتمعي الاقتصادي والتربوي والبشري.. الخ، ولكن العُنفي اللا إنساني والقهري. إذ ها هنا تُقتحم كل فضائل البشر الممثلة بذواتهم الإنسانية التي تولد مع ولاداتهم بصيغ احتمالية مفتوحة لتتحول تلك الفضائل إلى رذائل وأنانيات وفوهات من نار. ويبرز ماركس في هذا السياق مع المفهوم الفلسفي الذي قدمه، توصيفاً لـ«الصالح- الطالح» وهو مفهوم الاغتراب، فكأنما تسأل مَنْ عرفته، وأصبح غيره: هل أنت نفسك؟ لقد أتينا على ما أتينا عليه، لنقول بأن ما أنتج الإرهاب والاستغلال وامتهان الحرية والكرامة والمساواة والعدالة، قد تعجز البشرية الآن -وهذا الآن مفتوح- عن اجتثاثه في آن آخر قادم. ألا يبقى، والحال كذلك، شيء للكائن بل للكيان الإنساني؟ بلى، يتبقى التاريخ المفتوح! ونبدأ بالمدرسة والعقل والتنوير والإقرار بكل الآخر، وبأن الحقيقة لا يملكها فريق بل الجميع في المجتمع بفاعله الغيور الذي هو سلطة مدنية ديمقراطية حقاً، وتقوم على مبدأ التداول السلمي لها، وعدل يحافظ على الكرامة، ونظام سياسي متوازن ومستقر: ها هنا يتفسخ «داعش» وينهزم إرهابه! -------- أستاذ الفلسفة - جامعة دمشق