في عصر الفضاء الإلكتروني، هل تاه العرب في «الفضاوة» الإلكترونية؟ لقد دخل الإنترنت إلى معظم مجالات الحياة، وأصبحت الصناعات والمؤسسات ذكية أو في طريقها لتصبح كذلك، تزامناً مع غزوات الفيروسات الإلكترونية، مثل الديدان وأحصنة طروادة والرقائق والقنابل المنطقية والأبواب الخلفية والمدافع والقنابل الفيروسية البرمجية المختلفة التي من شأنها أن توقع دولة عظمى مثل أميركا خلال 15 دقيقة في ورطة كبيرة تعلن بعدها الكثير من الولايات والمدن كمناطق منكوبة تتطلب التدخل السريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه! نحن إذن في عصر الردع الإلكتروني، وثمة حاجة للإجراءات الوقائية الدفاعية أو الهجومية التي تتخذها أي دولة أو مؤسسة لحماية بنيتها التحتية وأصولها وأسلوب حياتها الاعتيادي، وتمنع اختراق شبكات ونظم الاتصالات وخوادم الحاسوب الآلي وشبكات الإنترنت وتطبيقات الاتصال والتواصل الذكي لديها، من قبل فرد أو جماعة أو تنظيم أو مؤسسة أو دولة أخرى اختراقاً غير مرغوب فيه وغير مسموح به قانونياً وبأسلوب مخالف للنظم والاتفاقيات والمعاهدات والأعراف الدولية المصرح بها، بغض النظر عن الغرض وحجم الضرر من عدمه. لكن المعضلة هي أن أكبر الشركات في العالم مملوكة للدول أو المستثمر الرئيسي فيها صناديق سيادية مملوكة للدول، ولذا يعد التسلح والدفاع لمواجهة أي حرب إلكترونية أمراً حيوياً في بقاء الأمم، كما ظهر ذلك جلياً في حرب 2007 الإستونية السايبيرية وسلاح البرمجيات الخبيثة والأقمار الصناعية الذي فرضت من خلاله روسيا عضلاتها ونفوذها في عمليات الفضاء الإلكتروني. وليس مستغرباً أن تكون أخطر فيروسات الكمبيوتر قد انطلقت من المختبرات البحثية والمعامل الاستخبارية والعسكرية للدول الكبرى، والمصممة لأغراض التجسس والقرصنة وخوض الحروب الصامتة التي لا يسيل فيها دم، بعيداً عن الحاجة لحشد الدعم الوطني لمصلحة أو ضد تلك العمليات على غرار تعطيل محطة لتوليد الكهرباء أو محطة لتحلية المياه في معركة لا يمكن أن يتم التنبؤ بها. وتعد بعض الدول النامية بمثابة الرئة التي تتنفس منها بعض الدول المعادية للمنطقة، حيث تعمل كقواعد قرصنة سيبرانية قد تتم من خلالها مهاجمة أكبر شركة نفطية، وأكبر شركة غاز، على غرار الهجمات التي تمت في الأسبوع الثاني من سبتمبر 2012، ضد مصالح وأهداف أميركية على أراضي الولايات المتحدة، مثل البنوك، وذلك على أيدي مجموعة قدمت نفسها كمنظمة من الجهاديين السنّة. كما تعرّضت كوريا الجنوبية قبل بضع سنوات لغزو إلكتروني هاجم البنوك ومحطات التليفزيون ووزارة الدفاع، وغيرها الكثير من الدول التي تعرضت لهجمات إلكترونية مما جعل وزارة الدفاع الأميركية تصنف الإنترنت كبعد رابع من حيث الأهمية في الصراع العسكري، بعد البر والبحر والجو. كما صنفت بريطانيا في استراتيجية أمنها القومي خطر النشاطات الإلكترونية المعادية كواحدة من أكبر أربع تهديدات تواجه بريطانيا كدولة، آخذةً العبرة مما حدث في عام 2008، لخوادم الكمبيوتر الرئيسية في جورجيا. بل وصل الأمر ببعض الدول إلى إنشاء وحدات متخصصة في التجسس على الشركات الكبرى في الدول الأخرى. وفي زمن فيروس إلكتروني مثل «ستوكس نت» الذي يستطيع التعرف على أجهزة التحكم في منشأة معينة، وهو فيروس معلوماتي لا يكتفي بشل النظام المعلوماتي بل يتسبب في تدمير المنشآت.. لا أعتقد أن الغرب في سباق مع الشرق بل إن الشرق تحت رحمة التقدم العلمي التقني للدول المتقدمة في مجال الأمن الإلكتروني والحرب الإلكترونية. إنه مجال آخر لا يدع مساحة للشك في أننا لسنا في موقف قوة لمناقشة ما نريده من الغرب وما يريده الغرب منا، بل يتعين أن نتعايش بذكاء مع المعطيات والبناء الذاتي لقوانا الناعمة الإلكترونية، حتى نقف على نفس الأرضية مع تلك الأمم وليس منافستها على الأقل في الوقت الحاضر. وليس من باب الانهزامية أن تقر الدول النامية بتراجعها وتعمل على إدراك حقيقة إمكانياتها، وما ينقصها هو التعاطي مع التحديات بحكمة وبخطوات بطيئة لكنها ثابتة، فلا عيب في ذلك، بل العيب هو المكابرة والاعتماد على رفع الرايات والخطب وممارسة الحلم من دون عمل نوعي مستدام والدخول في سباق خاسر. لكي تصنع دول العالم النامي مستقبلها بأيديها، ليس من المجدي أن تنتظر نزول معجزة من السماء عليها لم تعمل شيئاً لتستحقها في زمن انتهت فيه المعجزات. فمن يعمل ويخطط ويراهن على المعرفة والابتكار والتكنولوجيا وتنمية الإنسان ويدعم نهضة العقول التي تفكر خارج الصندوق، لن يكون مجرد متفرج على ما يجري في المستقبل بل سيكون صانعاً للمستقبل.