يمكن تلخيص استراتيجية إدارة الرئيس أوباما الجديدة التي صارت تعرف بـ«الصبر الاستراتيجي»، بأنها نسخة منقحة من عقيدته القديمة القائمة على سياسة رفع اليد و«القيادة من الخلف» و«عدم ارتكاب حماقات في السياسة الخارجية»! أو خوض حروب، ويُضاف إلى ذلك التردد وعدم الحسم وتراكم الأخطاء، حيث تدفع هذه السياسة الحلفاء للتشكيك، وتقوي الخصوم والأعداء.. لا بل تسهم هذه الاستراتيجية في تودد ومحاباة واشنطن للخصوم كحال أوباما مع إيران، العدو العقائدي والاستراتيجي للولايات المتحدة. ويظهر هذا التودد خاصة في هوس أوباما شخصياً بالتوصل لاتفاق نووي نهائي مع إيران، وبالرسائل السرية للمرشد الأعلى، ورد المرشد برسالة مطولة على رغم نفي وزارة الخارجية من دون إقناع لأحد في اليوم التالي بأن المرشد لم يرسل رسالة لأوباما.. ومن ذلك أيضاً الاجتماعات العلنية، وتبادل الابتسامات بين وزير خارجية إيران ووزير الخارجية الأميركي، وقياديين آخرين في الخارجية الأميركية في الأمم المتحدة وجنيف. وترفض سياسة «الصبر الاستراتيجي» الجديدة أيضاً التمدد والاستنزاف الأميركي في التعامل مع أزمات العالم، كحال التعامل مع تهديد «داعش»، والتطرف، والحرب على الإرهاب. وكان ملفتاً في خضم تدحرج استراتيجية أوباما المتخبطة الانتقادات القوية التي وجهت إليها من طرف هيلاري كلينتون، وخاصة بالنظر لوحشية وخطر تنظيم «داعش»، مع التذكير بمن وفر البيئة لظهور وتمدد ذلك التنظيم. وكانت وزيرة الخارجية السابقة انتقدتها في الصيف الماضي في مقابلة مع مجلة «ذي أتلانتك» على رغم مسؤوليتها شخصياً عن السياسة الخارجية لأربعة أعوام في عهد أوباما، إذ عزت ظهور «داعش» لفشل أوباما في دعم المعارضة السورية المعتدلة، كما كانت تطالب مع وزير الدفاع ومدير الاستخبارات المركزية الأميركية منذ بداية الثورة السورية. وعدم تحمس أوباما للانخراط في الشؤون الخارجية قاد لفشل السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، وظهور تنظيم «داعش». وهذا ليس تصرف الدول العظمى، حيث يجب أن تكون لها منظومة مبادئ واضحة ومنظمة. وهذا الاتهام من هيلاري كلينتون وتحميل أوباما مسؤولية ظهور «داعش» في الحقيقة تصريح خطير، وإن كان أيضاً مجرد نصف الحقيقة. أما نصف الحقيقة الثاني فهو تردد وتقلب وهوس إدارة أوباما بملف إيران النووي بحيث تم إغفال القضايا المهمة الأخرى، إذ سمحت إدارة أوباما بسبب سياساتها الخاطئة بالسكوت والتغاضي عن سياسات المالكي الطائفية في العراق، وبعده أيضاً نظراً لاستمرار النهج نفسه في حكومة حيدر العبادي الذي وصل لمنصب رئيس وزراء العراق بتنسيق واتفاق بين واشنطن وطهران ليُعطي النظام العراقي وجهاً جميلاً دون تغييرات تُذكر على الأرض. في استمرار للسياسات القديمة بوجه ألطف! وفي سوريا وبعد أربعة أعوام من رفع يد المجتمع الدولي عن المأساة بسبب استراتيجية أوباما الذي «لا يريد أن ترتكب حماقات»! تستمر حرب الإبادة، والمواجهة الطائفية والمذهبية، والحروب بالوكالة، ويسقط ربع مليون قتيل، ومليون جريح، ويتحول نصف الشعب السوري بين مشرد ولاجئ ونازح ومعذب! والمؤلم بعد كل هذا السجل الكارثي فشل لجنة تابعة للأمم المتحدة في سوريا في إحالة ملف الجرائم المقترفة هناك إلى المحكمة الجنائية الدولية، بسبب الانقسامات داخل مجلس الأمن التي تمنع تحقيق ذلك. وبالتالي، طالبت اللجنة، كبديل، بالعمل على وجه السرعة لتشكيل محكمة دولية خاصة بجرائم الحرب! مع التهديد بنشر أسماء المشتبه في ضلوعهم في الحرب السورية المستمرة منذ أربع سنوات، مؤكدة أنها «ستبحث عن سبل جديدة من خلال العدالة الدولية. وقد تنشر اللجنة بعضاً من مئات الأسماء أو كلها على قوائم سرية للمشتبه بهم في اجتماع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في شهر مارس القادم»! وإلى هذا الحد تقزمت قدرات المجتمع الدولي والولايات المتحدة في حسم الأمور. ويستمر جرح سوريا النازف مهدداً استقرار وأمن المنطقة بسبب زيادة منسوب الفرز والاصطفاف المذهبي، ما يُوجِد بيئة للجماعات المتطرفة السنية والشيعية، لتظهر وتكبر وتتمدد. وهذا ما توظفه «داعش» والجماعات السنية المتطرفة، وكذلك الجماعات الشيعية المتطرفة التي تشارك في القتال في سوريا والعراق. وقبل ذلك ساعد الفرز المذهبي على ظهور «داعش» و«جبهة النصرة» والحشد الشعبي الشيعي وغيره من الفصائل الشيعية والمنظمات التي تُطلق على نفسها صفة «الجهادية»، والتي خرجت كوادرها من سجون العراق وسوريا، مستفيدة من مخطط الفوضى ووضع المنطقة والعالم أمام خيار بين النظامين في سوريا والعراق وحلفائهما، وبين فوضى المتطرفين الذين يسميهم النظام في إيران والعراق وسوريا وحلفاؤهم بالإرهابيين والتكفيريين، ويقدمون خدماتهم لمحاربتهم نيابة عن العالم! وهذا الحصاد المر لاستراتيجية «الصبر الاستراتيجي»، حاول أوباما أن يعوض عنه بالتودد للمسلمين، وخاصة المسلمين الأميركيين. دون أن يقرن أقواله ومواقفه الإيجابية بأفعال وسياسات ومواقف أميركية ملموسة. وفي «قمة مواجهة الإرهاب والتطرف» التي استضافها البيت الأبيض الأسبوع الماضي، رفض أوباما في خطابين أن يربط بين الإسلام أو أي دين آخر والإرهاب. ورفض مصطلح «التطرف الإسلامي»، وأكد أن الولايات المتحدة ليست في حرب على الإسلام. بل هي في حرب ضد من حرفوا وشوهوا الإسلام ومن يسيئون للإسلام.. وأن المسلمين الأميركيين هم جزء من المجتمع الأميركي، ويجب أن يكون لهم موقع ودور في المجتمع الأميركي. وألا يخشوا شيئاً! وللحديث صلة.